لم تكن اللحظة التي شهدت توقيع الاتفاق الدبلوماسي بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية مجرد واقعة سياسية عابرة في منطقة الشرق الأوسط
بل تحولت في غضون ساعات قليلة جداً إلى نقطة تحول جوهرية بالغة السرعة، ألقت بظلالها المباشرة على شاشات التداول المالي في مختلف أنحاء العالم، حيث بدأت الأوساط الاستثمارية والأسواق العالمية عملية إعادة تسعير شاملة وجماعية للمخاطر المحيطة بكافة الأصول والسلع الأساسية، بدءاً من أسواق النفط الخام مروراً بالمعدن الأصفر الثمين وصعوداً إلى مؤشرات الأسهم والعملات الأجنبية.
في مستهل هذه التحركات، ظهر رد الفعل الأقوى والأكثر حدة ووضوحاً في أروقة أسواق النفط العالمية؛ فبمجرد الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم المشتركة، والتي وضعت بنداً صريحاً يقضي بوقف التصعيد العسكري وتأمين حركة الملاحة النفطية الحرة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، سارعت أسعار الطاقة إلى الهبوط بشكل حاد وسريع نتيجة قيام المستثمرين بإدراج عودة الإمدادات والإنتاج الإيراني إلى الساحة الدولية في حساباتهم الفورية، حيث خسرت أسعار خام برنت القياسي وخام غرب تكساس الوسيط الأميركي ما يتراوح بين 1 إلى 2 في المائة خلال جلسة تداول واحدة، وسط تنامي التوقعات بأن الأسواق قد تتجه في السنوات القليلة المقبلة من مرحلة العجز ونقص الإمدادات الحالية إلى حالة من الفائض المتزايد، لتعود أسعار النفط وتسرع من وتيرة هبوطها مع نهاية تعاملات الجلسة الآسيوية لتتجاوز خسائرها 3 في المائة، بفعل مناخ الارتياح والهدوء الذي خيم على نفوس المتعاملين.
وعند حلول الساعة السادسة وخمس وعشرين دقيقة صباحاً بتوقيت غرينيتش، سجل سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي تراجعاً ملحوظاً بلغت نسبته 3.4 في المائة ليستقر عند مستوى 74.18 دولار للبرميل الواحد، في الوقت ذاته الذي هبط فيه سعر خام برنت بحر الشمال، الذي يعد النفط المرجعي والأساسي لتسعير الطاقة في السوق الدولية، بنسبة بلغت 3.02 في المائة ليصل إلى مستويات 77.15 دولار للبرميل.
وينص هذا الاتفاق التاريخي، والذي يشتمل على 14 نقطة أساسية، على تدشين مرحلة تفاوضية رسمية تمتد لـ 60 يوماً، وتلتزم حكومة طهران بموجبها بمنح وتأمين حق المرور المجاني والآمن لكافة السفن عبر مضيق هرمز، مع العمل على استرداد وإعادة تشغيل كامل القدرة الاستيعابية والتشغيلية للمضيق الحيوي خلال فترة زمنية لا تتجاوز 30 يوماً، ورغم أن هذا التفاهم قد تعمد ترحيل ومناقشة الملفات الأكثر تعقيداً وحساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلى مراحل لاحقة، إلا أنه فرض التزاماً مالياً على الإدارة الأميركية وحلفائها الدوليين بتقديم وتوفير خطة دعم وتمويل ضخمة تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار من أجل مساندة جهود الإنعاش والتعافي الاقتصادي داخل إيران.
أما من وجهة نظر الأسواق المالية، فقد حمل هذا المشهد تفسيراً واحداً وبسيطاً للغاية، وهو أن معروض الطاقة في طريقه للتدفق بقوة إلى الأسواق، مع تبدد وهبوط حدة القلق والمخاوف الجيوسياسية التي كانت تؤرق العالم.
ولم يقف هذا الهبوط الحاد في أسعار النفط عند حدود أسواق الطاقة الفورية فحسب، بل امتدت مفاعيله مباشرة لتلقي بظلالها على توقعات ومعدلات التضخم المستقبلي؛ إذ أدى انخفاض أسعار الوقود والطاقة إلى تخفيف حدة الهواجس السائدة بشأن اندلاع موجة تضخمية جديدة، الأمر الذي ساهم بقوة في إعادة تشكيل وصياغة المزاج الاستثماري العام للمتعاملين في سائر القطاعات والأسواق المالية الأخرى.
وعلى الصعيد الآسيوي، ظهرت جمهورية كوريا الجنوبية في مقدمة القوى الاقتصادية وأكبر المستفيدين من مناخ التفاؤل والارتياح الذي اجتاح البورصات العالمية، حيث سجلت الأسهم الكورية طفرة سعرية قوية تجاوزت نسبتها 2 في المائة، لتتمكن من تخطي حاجز الـ 9 آلاف نقطة التاريخي للمرة الأولى على الإطلاق في مسيرتها، مدعومة بالزخم الاستثنائي والمكاسب القوية التي حققها قطاع صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وحقق مؤشر “كوسبي” الرئيسي في بورصة سيول نمواً بنسبة بلغت 2.25 في المائة مع نهاية جلسة التداولات ليغلق عند مستوى قياسي وغير مسبوق بلغ 9063.84 نقطة، قادته أسهم قطاع التكنولوجيا التي تزعمت موجة الصعود الجماعي بكل قوة.
وفي تفاصيل الأسهم القيادية، ارتفع سهم شركة “سامسونغ إلكترونيكس” بنسبة صعود بلغت 4.62 في المائة، بينما سجل سهم شركة “إس كيه هاينكس” قفزة لافتة بلغت 6.51 في المائة، ليحققا معاً مستويات إغلاق تاريخية غير مسبوقة، لا سيما وأن هاتين المؤسستين العملاقتين تستحوذان وحدهما على ما يزيد عن نصف الوزن النسبي الإجمالي للمؤشر الكوري من حيث القيمة السوقية الإجمالية للبورصة.
أما بالنسبة لأسواق المعادن النفيسة، فقد تعرض الذهب، الذي طالما حصد مكاسب ضخمة في الأوقات السابقة مستفيداً من أجواء الحروب والاضطرابات الجيوسياسية، لضغوط بيعية أولية وتراجع نسبي بفعل انخفاض مستويات الإقبال على الملاذات الاستثمارية الآمنة، قبل أن ينجح سريعاً في تعويض خسائره والارتداد صعوداً من جديد، مدفوعاً بعمليات جني أرباح واسعة وانخفاض العوائد الحقيقية على السندات، حيث تذبذبت حركة المعدن الأصفر بين تأثير قوتين وعاملين ماليين متضادين؛ تمثل الأول في انخفاض حدة المخاطر السياسية، بينما تمثل الثاني في التوقعات المحيطة بتبدل ملامح السياسة النقدية الدولية، وتحديداً مع زيادة مراهنات المستثمرين على قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي باتباع نهج تشديدي صارم في الفترات القادمة على الرغم من هبوط أسعار النفط.
وسجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً بنسبة 1 في المائة لتصل إلى مستوى 4298.48 دولار للأونصة الواحدة بحلول الساعة السادسة وست عشرة دقيقة صباحاً بتوقيت غرينيتش، ويأتي هذا الانتعاش بعد أن كان المعدن قد تكبد تراجعاً بنسبة 1.7 في المائة خلال تعاملات جلسة يوم الأربعاء، وذلك في أعقاب صدور تصريحات تلمح إلى التشدد من قِبل مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهي التصريحات التي عززت من احتمالات وإمكانية المضي قدماً في رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام الجاري.
وفي المقابل، شهدت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم شهر أغسطس (آب) انخفاضاً بلغت نسبته 1.4 في المائة، لتستقر أسعارها عند مستوى 4318.10 دولار للأونصة.
وفي تعليقه على هذه المشهدية المالية، أوضح كلفن وونغ، وهو كبير محللي الأسواق لدى مؤسسة “أواندا” المالية، أن الارتفاع السعري الحالي الذي تشهده أسواق الذهب يمثل انعكاساً مباشراً لعمليات إغلاق وتغطية مراكز البيع المكشوف بعد الهبوط العنيف الحاصل في الجلسة الفائتة، يضاف إلى ذلك التأثير الإيجابي العام والمباشر للأنباء والتقارير القادمة من منطقة الشرق الأوسط، والتي شكلت عامل ضغط أساسي على أسعار النفط في الأسواق العالمية.
#مرايا الدولية



