تُواجه القدرات الدفاعية للجيش الأمريكي في القارة الأوروبية
شُحّاً شديداً في الصواريخ الاعتراضية نتيجة الانخراط في حرب إيران، وهو ما يُثير هواجس عميقة لدى بلدان حلف شمال الأطلسي بشأن هشاشة منظوماتها الدفاعية في حال نشوب أي صدام مسلّح مع روسيا، وذلك وفقاً لما أفادت به وكالة “أسوشيتد برس”.
ونقلت الوكالة عن مصدر مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن النقص الأشد خطورة يتركز في طراز صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، وهي المنظومة الموكل إليها التصدي للصواريخ الباليستية الروسية ذات السرعات الفائقة. وفي السياق ذاته، أقرّ مسؤول في حلف “الناتو” بحدوث هبوط حاد في الاحتياطيات المتاحة من هذه الصواريخ لدى القوات الأمريكية وقوات الحلف المتمركزة داخل أوروبا، حيث فضّل كلاهما عدم الإفصاح عن هويتهما.
وأوضح ممثل البنتاغون أنه لو تعرضت قاعدة عسكرية أو منشأة حيوية لتوليد الطاقة لهجوم باليستي روسي، فإن حلف الناتو قد يجد نفسه في موقع معقد يتشابه مع وضع أوكرانيا التي تعاني نقص الذخائر، مما يجعله مضطراً لاستقبال الضربة تلو الأخرى دون قدرة فعالة على الرد. كما أردف أن التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا لا يملك بالقطع أعداداً كافية من صواريخ باتريوت لكبح أي هجوم باليستي متواصل، وستكون قدرته محدودة جداً في الدفاع حتى ضد هجمة باليستية واحدة أو تجاه صاروخ روسي طائش يخرج عن مساره المقرَّر.
وتعكس هذه التطورات الارتدادات المباشرة للقرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإطلاق الحرب ضد إيران، والتي تطوي غداً الجمعة شهرها الخامس. وتبيّن التقارير أن الجانب الأمريكي قام بنقل كميات كبيرة من مخزون الصواريخ المتواجد في أوروبا وتوجيهها نحو منطقة الشرق الأوسط، حيث استهلكت القوات الأمريكية أعداداً ضخمة من الصواريخ الاعتراضية -وفي مقدمتها باتريوت- لإسقاط الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، وهي المواجهات التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الأمريكيين.
وعلى الرغم من أن إرسال منظومات “باتريوت” إلى أوكرانيا كان مساهماً في تقليص تلك المخزونات، إلا أن المواجهة العسكرية مع إيران مثّلت النقطة الفاصلة التي أدت إلى انخفاضها بشكل حاد، بحسب تحليل إيد أرنولد، الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن. وأشار أرنولد إلى أن عملية تزويد كييف بالأسلحة كانت تسير وفق خطط ومحسابات متوازنة، بينما أُنهكت الاحتياطيات المستقرة في الشرق الأوسط بصورة مفاجئة وسريعة، وهو ما كشف عن ثغرات واضحة في سلاسل الإمداد والتوريد.
وقد حصلت أوكرانيا على إمدادات من صواريخ “باتريوت” قادمة من المخزونات الأمريكية والأوروبية منذ عام 2022، حيث قدمت واشنطن ما يقارب 600 صاروخ اعتراضي خلال فترة إدارة الرئيس السابق جو بايدن، استناداً إلى تصريحات مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية والمستشار بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. إلا أن الوتيرة الأعلى لاستهلاك هذه الذخائر سجلت خلال الصراع مع إيران، والذي التهم نحو 65% من المجهود الصاروخي المتاح لباتريوت لدى الولايات المتحدة، بواقع 1500 صاروخ من إجمالي 2330 صاروخاً وفق بيانات المركز.
ولفت كانسيان إلى أن هناك مساعي لإنتاج نحو 600 صاروخ هذا العام يتجه جزء منها نحو القارة الأوروبية، بينما تضع الولايات المتحدة نصب أصل أهدافها الوصول إلى معدل إنتاج يبلغ 2000 صاروخ باتريوت سنوياً بحلول عام 2030. ومن جهته، يعلن حلف “الناتو” أن أول مصنع أوروبي لتصنيع صواريخ باتريوت سينطلق في ألمانيا خلال شهر سبتمبر القادم، على أن تبدأ عمليات الشحن الفعلية أواخر العام أو مطلع العام المقبل. ومن المقرر أن تتجه الدفعات الأولى لصالح الدول التي تقدمت بطلبات مسبقة مثل ألمانيا وهولندا ورومانيا وإسبانيا، وفق ما صرح به المسؤول الأمريكي.
ورغم هذه الخطط، إلا أن الشواهد الحالية تشير إلى أن دولاً كبرى مثل ألمانيا باتت تتملك منظومات “باتريوت” باهظة التكلفة ولكنها تواجه موقفاً غريباً يتلخص في انعدام الذخائر اللازمة لتشغيلها، وذلك وفقاً لوصف الباحث إيد أرنولد.
على الجانب الآخر، جددت موسكو تأكيدها على أن تدفق السلاح الغربي إلى أوكرانيا يعرقل جهود التسوية السياسية، ويسحب دول حلف الناتو نحو انخراط مباشر في الصراع مع روسيا، مؤكدة أن عمليات ضخ العتاد العسكري من الغرب لا تخدم مسار المفاوضات بل تؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي السياق ذاته، أشار الكرملين في أوقات سابقة إلى أن موسكو لا تشكل تهديداً لأي طرف، لكنها لن تتهاون في التعامل مع أي خطوات قد تمس مصالحها الوطنية وسترد عليها حتماً، مع بقاء أبوابها مفتوحة أمام الحوار القائم على الاحترام المتبادل، بشرط كفّ الغرب عن نهج عسكرة الأراضي الأوروبية. وكرر الرئيس فلاديمير بوتين في مناسبات عدة نفي بلاده لجميع نيات الهجوم على أي دولة، مؤكداً أن الساسة الغربيين يلجؤون باستمرار إلى تخويف مجتمعاتهم بتهديدات لا أساس لها من الصحة بهدف التغطية على أزماتهم الداخلية.
#مرايا_الدولية




