دولي

تسونامي المظاهرات الفرنسية وتقدم العملية العسكرية الروسية

فرنسا بين الاحتجاجات والتسلّح ودعم أوكرانيا

الكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر

تستمر اليوم المظاهرات الطلابية في فرنسا للأسبوع الثالث، في ظل وقوع احتكاكات مع الشرطة واستخدام الغاز المسيل للدموع.

وعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بأن تقدم الحكومة حلولاً “ملموسة وسريعة وممولة بالكامل” قبل نهاية أكتوبر، من دون تفاصيل محددة، بينما أعلن الطلاب استمرار التعبئة وتنظيم يوم احتجاجي جديد يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، مع الدعوة إلى الإضراب في قطاع التعليم.

يأتي ذلك على خلفية مشروع موازنة 2027، الذي يرفع الإنفاق الدفاعي بمقدار 6.4 مليار يورو، في حين تزيد مخصصات التعليم بنحو 1.1 مليار يورو فقط. وتقول الحكومة إنها تسعى إلى خفض العجز إلى 5%، بالتزامن مع تنفيذ إجراءات تقشفية بقيمة 54 مليار يورو.

بالتزامن مع المظاهرات الطلابية الحاشدة، حضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاهدة إطلاق صاروخ M51.3 من الغواصة النووية الاستراتيجية Le Vigilant، من دون رأس نووي، في إطار اختبار لقبول الغواصة بعد انتهاء أعمال الصيانة. وقال إن هذا الاختبار “سيراقبه عن كثب الحلفاء والخصوم، وهو خطوة مهمة للمصداقية الاستراتيجية الفرنسية”.

يدفع ماكرون باتجاه توسيع دور الردع النووي الفرنسي، لا سيما أنه سبق أن طرح ما سمّاه “الردع المتقدم” (Forward Deterrence)، عقب اتصالات أجراها مع مجموعة من الحلفاء الأوروبيين.

ووقعت فرنسا وألمانيا، في 2 مارس الماضي، إعلاناً مشتركاً ينص على “تعاون نووي واستراتيجي أعمق” بين البلدين، بما يشمل مشاركة ألمانيا في تدريبات نووية فرنسية، والتنسيق في مجال الإنذار المبكر والقدرات التقليدية بعيدة المدى. ومع ذلك، أكد البلدان أن هذا التعاون “يضاف إلى الردع النووي للناتو ولا يحل محله”.

ويبدو أن المظلة النووية الأمريكية لم تعد مضمونة كما كانت سابقاً، الأمر الذي يدفع أوروبا إلى البحث عن قدرات ردع مستقلة.

وفي يناير 2026، أعلن ماكرون أن فرنسا ستسرّع إعادة التسلح، وأن الإنفاق الدفاعي سيصل إلى 64 مليار يورو في عام 2027. ويعني ذلك أن ميزانية الجيش تضاعفت تقريباً خلال عهديه، مع تخصيص 36 مليار يورو إضافية للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030.

وفي يوليو، وقعت فرنسا مع أوكرانيا خارطة طريق عسكرية في إطار اجتماع “تحالف الراغبين”. وباقتراح من جهاز الاستخبارات البريطاني، طلبت أوكرانيا بموجبها 16 طائرة “رافال” ضمن خطة أوسع، فيما تعهدت فرنسا بتوفير أنظمة SAMP/T للدفاع الجوي، ووافقت على إنتاج صواريخ SCALP وAster 30 بترخيص داخل أوكرانيا. كما تشارك باريس في ترتيبات أوروبية لتقديم ضمانات أمنية طويلة الأجل لكييف.

وبذلك، تتوزع أولويات الموازنة الفرنسية، التي تسعى في الوقت نفسه إلى التقشف، على ثلاثة محاور رئيسية:

1- الخدمات الاجتماعية: وتشمل التعليم والصحة والمعاشات والقدرة الشرائية للمواطن الفرنسي.

2- إعادة التسلح الفرنسية والأوروبية: عبر زيادة ميزانيات الدفاع، وتحديث الجيوش، وتوسيع نطاق المظلة النووية لتشمل أوروبا، في ظل الشكوك بشأن النوايا الأمريكية.

3- الدعم الأوروبي لأوكرانيا: ضمن ما تصفه المقالة بمخطط هزيمة روسيا استراتيجياً، ويشمل المساعدات المالية والعسكرية والضمانات الأمنية.

وقد برزت داخل الحركة الطلابية واليسار الفرنسي أصوات تربط بين العسكرة والحرب والإنفاق العسكري من جهة، ونقص الموارد المخصصة للخدمات العامة داخل البلاد من جهة أخرى.

ولم تكن أوكرانيا سبباً للمظاهرات، بطبيعة الحال، لكنها أصبحت رمزاً لصراع أوسع بشأن أولويات الدولة الفرنسية.

وفي ألمانيا، أكبر داعمي أوكرانيا، يؤكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن “أمن أوكرانيا هو أمن ألمانيا”. وفي الوقت نفسه، يرى أن الاستثمار في البنية التحتية والدفاع أصبح من “محركات التعافي”، فيما رفعت برلين توقعاتها للنمو من 0.5% إلى 1.3% في عام 2026، ومن 0.9% إلى 1.1% في عام 2027.

وتخطط الحكومة الألمانية لتخصيص أكثر من 109 مليارات يورو للدفاع في عام 2027، بينما بلغت المساعدات المقدمة لأوكرانيا نحو 100 مليار يورو.

وبحسب تحليل “كيل”، لا يمكن تصنيف سوى نحو 41.7 مليار يورو من هذه الأموال كمساعدات ثنائية فعلية وصلت إلى كييف، في حين يشمل المبلغ المتبقي 35.9 مليار يورو أُنفقت داخل ألمانيا، معظمها على اللاجئين الأوكرانيين، إضافة إلى 22 مليار يورو من الالتزامات العسكرية المستقبلية. وتندرج هذه الأموال، وفقاً للمقالة، ضمن مساعي هزيمة روسيا.

أما بريطانيا، التي تعد من أبرز داعمي هذه المساعي، فقد خصصت حتى الآن 16 مليار جنيه إسترليني مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وأكثر من 5.5 مليار جنيه إسترليني مساعدات غير عسكرية، إلى جانب ثلاثة مليارات جنيه إسترليني سنوياً كمساعدات عسكرية حتى العامين 2030 و2031.

وفي يوليو 2026، توصلت لندن إلى اتفاق يسمح لشركات الدفاع البريطانية بالوصول إلى عقود ممولة من قرض الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا، البالغ 90 مليار يورو. وتقول الحكومة البريطانية صراحةً إن هذا الاتفاق “سيدعم الشركات البريطانية والوظائف والإنتاج الدفاعي”.

#مرايا_الدولية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى