تتحول الهجمات الإلكترونية إلى مورد مالي متزايد الأهمية بالنسبة إلى كوريا الشمالية
التي تواجه قيوداً دولية مشددة على تعاملاتها الاقتصادية والتجارية، وتستعين بشبكات قرصنة متخصصة لاختراق منصات العملات الرقمية والاستيلاء على أصول بمليارات الدولارات.
وعادت بيونغ يانغ إلى دائرة الاتهامات الأميركية عقب عملية اختراق واسعة استهدفت منصة «باينانس»، إذ حمّل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مجموعة «تريدر ترايتور» مسؤولية الاستيلاء على أكثر من 6 مليارات دولار من الأصول المشفّرة. وأعادت الحادثة تسليط الضوء على قدرات هذه المجموعة والارتباطات التي تجمعها بالمنظومة السيبرانية الكورية الشمالية.
وتُصنّف «تريدر ترايتور» ضمن الشبكات المرتبطة بمجموعة «لازاروس» الشهيرة، التي برز اسمها دولياً عام 2014 بعد اختراق شركة «سوني بيكتشرز». وتستند كوريا الشمالية إلى بنية إلكترونية منظمة منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ تشير تقديرات استخباراتية كورية جنوبية صدرت عام 2024 إلى امتلاكها نحو 8400 عنصر ضمن قواتها السيبرانية.
ولا تقتصر أنشطة المجموعة على الاختراق المباشر للأنظمة، بل تعتمد أساليب الخداع والهندسة الاجتماعية للوصول إلى أهدافها. ومن بين هذه التكتيكات انتحال صفة مسؤولي التوظيف عبر منصات مهنية مثل «لينكد إن»، وإرسال ملفات تبدو مرتبطة بفرص عمل، لكنها تحتوي على شيفرات خبيثة تتيح اختراق أجهزة الضحايا وسرقة بياناتهم. وسبق أن وثّق مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2024 عملية استُخدم فيها هذا الأسلوب للاستيلاء على معلومات موظف في قطاع محافظ العملات الرقمية.
ويمتد سجل الهجمات المنسوبة إلى كوريا الشمالية عبر سنوات عدة، وشمل قطاعات مصرفية ومنصات تداول وشبكات بلوكتشين. ففي عام 2016، سُرقت 81 مليون دولار من مصرف بنغلادش المركزي، بينما استهدفت برمجية «واناكراي» عام 2017 أكثر من 200 ألف جهاز حاسوب في نحو 150 دولة، وتسببت في تعطيل ملفات المستخدمين للمطالبة بفدية مالية.
وفي عام 2022، وُجهت اتهامات أميركية لقراصنة مرتبطين بمجموعة «لازاروس» بالاستيلاء على 620 مليون دولار من شبكة «رونين» المتخصصة بمعاملات العملات المشفّرة.
كما ربطت السلطات الأميركية «تريدر ترايتور» بثلاث هجمات طالت منصات «أتوميك ووليت» و«ألفابو» و«كوينزبايد» خلال عام 2023، وأسفرت عن خسائر قُدرت بنحو 200 مليون دولار. وفي أيار 2024، تعرضت منصة «دي إم إم» اليابانية لتداول العملات الرقمية لهجوم أدى إلى سرقة أصول بقيمة 308 ملايين دولار.
أما في شباط 2025، فنسب مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى المجموعة نفسها اختراق منصة «بايبت»، الذي أسفر عن الاستيلاء على نحو 1.5 مليار دولار من الأصول الرقمية، في واحدة من أكبر عمليات السرقة التي شهدها قطاع العملات المشفّرة.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن بيونغ يانغ لا تكتفي بالاستحواذ على العملات الرقمية، بل تعمل على تحويلها إلى أموال قابلة للاستخدام عبر عمليات غسل معقدة، تشمل خدمات خلط الأصول المشفّرة ومنصات التبادل الخاصة، بهدف إخفاء مصادر الأموال وتعقّب حركتها.
وبحسب ليم أول-تشول، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأقصى بجامعة كيونغنام الكورية الجنوبية، تُستخدم هذه العائدات في دعم الأبحاث العسكرية والحصول على مكونات الأسلحة بطرق غير قانونية. كما أشار تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2024 إلى أن الأموال الناتجة عن الهجمات السيبرانية أسهمت، وفق بعض التقديرات، في تمويل برامج تطوير أسلحة الدمار الشامل في كوريا الشمالية.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية إضافية بالنسبة إلى الحكومة الكورية الشمالية في ظل العقوبات الدولية التي تحدّ من قدرتها على تحصيل العملات الأجنبية عبر التجارة التقليدية. وتتيح القرصنة الإلكترونية تجاوز جانب من القيود المالية، وتحقيق عائدات كبيرة من خلال عمليات لا تتطلب موارد مادية أو بشرية بحجم ما تحتاج إليه الأنشطة الاقتصادية التقليدية.
وتتزايد المخاوف أيضاً من انعكاسات التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي على أمن المعاملات الرقمية، وسط تحذيرات من إمكانية استغلال قدرات النماذج المتقدمة في إضعاف أنظمة التشفير وبروتوكولات حماية المعلومات، ما يفتح الباب أمام تحديات جديدة لشركات العملات المشفّرة والمؤسسات المالية.
#مرايا_الدولية




