ايراندوليسياسة

الشرق الأوسط بين الهيمنة الأمريكية واحتمالات الانفجار

وساطة دولية أم مواجهة تقود إلى دمار شامل

الكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر

حينما نقلَ الرئيسُ الأمريكيّ دونالد ترامب السفارةَ الأمريكية إلى القدس، وسطَ شجبٍ ورفضٍ واستنكارٍ من دولِ العالمِ الحرّ، لم يكن الرئيسُ الأمريكيّ اللاحق جو بايدن معارضاً للمبدأ، بل معترضاً على التوقيت وطريقة التنفيذ. فقد رأى أنّ خطوةً كهذه يمكن أن تُعقِّدَ حلَّ الدولتين بدل أن تُسهِم في تحقيقه. واعتبر بايدن القرارَ خطوةً أحادية تُلحق الضرر بالدبلوماسية الأمريكية، رغم تأييده المبدئيّ للاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل شرط أن يتم ذلك ضمن مفاوضات السلام.

وحين وصل بايدن إلى البيت الأبيض، لم يتراجع عن القرار، ولم تُعَدّ السفارة إلى تل أبيب، بل حاول إعادة فتح قنوات الاتصال مع السلطة الفلسطينية.

إنّ ما أودّ التأكيد عليه هو أنّ الولايات المتحدة لا تُحرّكها شخصيةُ رئيسٍ هنا أو هناك، بل تُسيّرها مصالحُ عليا وكياناتٌ اقتصاديةٌ عابرةٌ للحدود، مرتبطةٌ بصناعة السلاح والتكنولوجيا. ولهذا، حينما يكتب الرئيس الأمريكيّ صباحَ الاثنين الماضي “تغريدةً” عبر منصّة “تروث سوشيال” يتحدث فيها عن “اتصالاتٍ دبلوماسية” مع مسؤولين “رفيعي المستوى” دون كشف هويتهم أو طبيعة الاتصالات، ينبغي لنا أن نرفع مستوى الحذر، خصوصاً بعد نفي السلطات الإيرانية وجود أي اتصالاتٍ مباشرة أو غير مباشرة، وتأكيدها أنّ ترامب يفعل ذلك لتهدئة أسعار النفط ورفع مؤشرات البورصة الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل بعد التغريدة.

لذلك لا أتفق مع التحليلات التي تُرجِع مسار العملية العسكرية في الشرق الأوسط إلى مزاج ترامب الشخصيّ، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها عمليةٌ جرى التخطيط لها استراتيجياً منذ عقود، وربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولا يمكن لشخصٍ واحد أن يُحرّك هذه الماكينة الهائلة، أو أن يدفع بخمسة إلى سبعة آلاف جنديّ إضافيّ إلى المنطقة، فوق خمسين ألف جنديّ موجودين أصلاً.

وتسعى الإدارة الأمريكية، في إطار مخطّط اللوبي المناهض للتعددية القطبية، إلى توجيه ضربةٍ قاصمةٍ لإيران، اعتماداً على تقديراتٍ استخباراتية إسرائيلية وبياناتٍ غير دقيقة. لكن ما يحدث على الأرض اليوم في إيران هو العكس تماماً؛ فقد توحّد الشعب خلف قيادته، وخلقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية جبهة مقاومة واسعة داخلياً وإقليمياً.

وجاءت تهنئة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيران بمناسبة عيد “النوروز” في هذا التوقيت لتؤكد دعم موسكو لطهران وحقّها في الدفاع عن سيادتها. كما شدّد بيان الخارجية الروسية على ضرورة وقف الأعمال العدائية، محذّراً من أنّ أي عملية برية أمريكية في إيران غير واقعية وستُفاقم الصراع.

إنّ التخبط الأمريكيّ الحاليّ يعود إلى اعتماد واشنطن على صورٍ وفيديوهات لمظاهرات داخلية، ظنّت – بإيعازٍ من إسرائيل – أنها كفيلة بإسقاط النظام الإيراني من الداخل.

لكن الأزمة الأكبر التي تواجه البيت الأبيض تأتي من الحلفاء، لا من الشرق الأوسط. فقد سحبت الولايات المتحدة جزءاً من منظومات “ثاد” من كوريا الجنوبية، بينما تواجه أوروبا أزمة غاز خانقة بعد تراجع إنتاج قطر بنسبة 17% وإعلان “قطر للغاز” حالة القوة القاهرة لعقود طويلة الأجل.

وقد عبّر رئيس الأركان الفرنسي عن أسفه لتصرّف واشنطن “دون إخطار الحلفاء”، مؤكداً أنّ الولايات المتحدة أصبحت “أقل قابلية للتنبؤ”، وأنّ ذلك يهدد أمن أوروبا ومصالحها.

إنّ انزلاق الولايات المتحدة نحو حربٍ برية سيؤدي إلى كوارث إنسانية تطال الجميع، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة نفسها، وقد يهدد – في تقديري – بانهيار حلف “الناتو”، في ظلّ اختلاف أعضائه حول مبادئ التحالف، بينما تُقدم الدولة الأقوى فيه على مغامراتٍ عسكرية دون التشاور مع الآخرين.

وفي المقابل، يؤكد الأميرال علي أكبر أحمديان، ممثل قائد الثورة في مجلس الدفاع الإيراني، أنّ الإيرانيين “ينتظرون منذ سنوات دخول الأمريكيين إلى نقاط محددة”، مشيراً إلى أنّ بلاده تتدرّب منذ عقدين على “الحرب غير المتناظرة”، موجهاً رسالة للجنود الأمريكيين: “اقتربوا أكثر”.

وما يثير القلق هو تصاعد السرديات العقائدية في بعض دوائر السلطة الأمريكية حول “نهاية العالم” و“المخلّص” و“بناء الهيكل”، وربطها بما يجري في الشرق الأوسط، وهو ما قد يدفع نحو حربٍ برية تُشعل المنطقة والعالم.

كل ذلك يحدث دون دخول الحوثيين على خطّ الصراع، ودون إغلاق مضيق باب المندب، ودون امتداد الشرر إلى العراق أو تركيا أو الخليج.

إنّ الشرق الأوسط برميل بارود، وقد أشعلت الإدارة الأمريكية عود الثقاب، بينما تمسك إيران بمشعلٍ أكثر توهجاً، وتستعد لإلقائه في أي لحظة.

وبرأيي، فإنّ السبيل الوحيد لوقف الحرب وتخفيف التوتر هو اللجوء إلى وساطة روسية–صينية تحت إشراف مجلس الأمن، إذ لن تنجح أي مفاوضات أمريكية–إيرانية مباشرة.

فهل يستمع العالم إلى صوت العقل قبل أن يصل إلى حافة الدمار؟

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى