بقلم علي شفيق مرتضى
لأن ٦ شباط لم تكن شغباً، بل كسراً لاتفاق ١٧ أيار المذل،ولأن من يصغي للخارج اليوم إنما يخون دماء رسمت حدود الوطن بالإشلاء والجمـاجم.
ليس ٦ شباط تاريخاً يُعلَّق على جدار الذاكرة، ولا ذكرى تُستدعى في الخطب ثم تُنسى.
٦ شباط فعلٌ حيّ، مزاجٌ شعبي حين يفيض، وانقلابُ وعيٍ حين تُسدّ الأبواب كلها.
ما أحوجنا اليوم إلى ٦ شباط جديدة،
لا لتقليب الطاولات، بل لتقليب المعادلات،
لا لكسر الدولة، بل لكسر الوصاية على الدولة،
ولا لإلغاء الآخر، بل لإلغاء من صادروا خيار الناس باسم “قيام الدولة”، وتناسوا أن لا سلطة تعلو فوق سلطة الشعب.
في ٦ شباط، لم تتحرك الميّمنة وحدها،
بل تحركت الأرض من تحتها،
وتحوّلت المسيّرة إلى أمواج،
وأمواجها لم تكن عمياء…
كانت تعرف إلى أين تتجه، ولماذا.
المسيّرة يومها لم تكن حشداً،
كانت قراراً.
وكان القرار أن لا حكم فوق الناس،
ولا سياسة بلا كرامة،
ولا دولة تُدار بالصفقات المذلّة.
اليوم، يعود السؤال ذاته بثقلٍ أشد:
من يحكم؟
ومن يقرر؟
ومن يدفع الثمن؟
السلطة تتبدل أسماءها،
لكن السلوك واحد:
إنبطاح رسمي ، إرتهان للخارج ، سيادة وهمية ، تهويل ، إهانة لبيئة قدمت الارواح، دولة كل مهامها تعداد الذين سقطوا من البشر والحجر.
ويأتيك بعد كل ذلك : خطاب خشبي يطلب من الناس الإيمان بحماية الدولة، بينما تُنهب أعمارهم على مرأى الجميع.
ما أحوجنا إلى ٦ شباط جديدة،
حين تتحول الميّمنة مسيّرة،
وتتحول المسيّرة بركانا من وعي،
ويصير الشارع ميزاناً لا فوضى،
وصوتاً لا غوغاء.
٦ شباط لا تعني الفوضى كما يحلو للبعض تصويرها،
بل تعني اللحظة التي تقول فيها الناس: كفى،
حين يصبح الصمت تواطؤاً،
والانتظار خيانة للذات.
لسنا بحاجة إلى استنساخ المشهد،
بل إلى استعادة الروح:
روح الجرأة،
روح كسر الخوف،
روح أن القرار ليس حكراً على صالات السفارات، بل حقٌّ يولد من الشارع حين يُغلق عليه.
٦ شباط الجديدة لن تُكتب ببيان،
ولا تُعلن من على منصة،
بل تُصنع حين تلتقي الكرامة بالغضب الواعي،
وحين يفهم الناس أن لا منقذ فردي،
وأن التغيير فعلٌ جماعي،
إذا تأخر… تعفنت البلاد.
وهنا بيت القصيد الذي يتجاهله المتخاذلون عمداً:
إن حقّ مقاومة الشعوب لمستعمريها ليس شعاراً ولا ترفاً أيديولوجيًا،
بل حقٌّ طبيعي، شرعي، وإنساني،
أقرّته القوانين، وكتبته الثورات، وعمّدته دماء الأحرار.
بالدم رُسمت الحدود،
وبالإشلاء رُبطت أعلام العزّة،
وبالجماجم بُنيت سواتر الدفاع عن الوطن.
هذه ليست استعارات شعرية،
بل وقائع تأسيس.
فالأوطان لا تُصان بالحياد الكاذب،
ولا تُحمى بالبيانات الرمادية،
ولا تُدار بالإصغاء للخارج.
الإصغاء للخارج خيانة لهذه الدماء الزكيّة.
خيانة لمن سقطوا كي لا نسقط،
ولمن استُشهدوا كي لا نُذلّ،
ولمن حفروا أسماءهم في تراب الوطن كي يبقى وطناً لا مزرعة.
من يساوم على دم الشهداء،
يساوم على كرامة البلد.
ومن يربط قراره بالسفارات،
يقطع شرايين السيادة بيده.
ومن يهاجم المقاومة،
إنما يبرّئ المستعمر ويطعن الضحية.
٦ شباط لم تكن يوماً خروجاً على الوطن،
بل خروج الوطن على من اختطفوه.
ولم تكن تمرّداً عبثياً،
بل تصحيحاً قاسياً حين فشلت كل لغات المجاملة.
ولمن يزوّرون التاريخ عمداً:
إن انتفاضة ٦ شباط لم تولد من فراغ،
بل جاءت رداً مباشراً ، حاسماً ، وشعبياً
على اتفاق ١٧ أيار المذل،
الاتفاق الذي حاول تحويل لبنان إلى تابع،
وتجريد سيادته،
وتحويل دماء الشهداء إلى تفصيل مزعج على هامش “السلام”.
كان ١٧ أيار طعنة في ظهر الوطن،
وإملاءً “إسرائيلياً” مموّهاً بتواقيع محلية،
ومشروع إذلال جماعي باسم الواقعية السياسية.
فكان ٦ شباط الجواب:
إسقاطاً لا تفاوض فيه،
وكنسًا لا مساومة عليه،
وإعلاناً واضحاً أن ما أُخذ بالقوة لا يُشرعن بالاتفاقات.
٦ شباط قالت يومها، وتقول اليوم:
إن الوطن لا يُباع،
ولا يُرهن،
ولا يُدار بعقلية الهزيمة.
ما أحوجنا إلى ٦ شباط جديدة،
تُسقط كل اتفاق إذعان جديد،
وتفضح كل طبقة سياسية تتقن الانحناء،
وتعيد التذكير بأن هذا البلد قام على المقاومة
لا على الاستجداء.
٦ شباط الجديدة ليست خياراً رومانسياً ،
بل ضرورة وجودية.
فإما كرامة تُدافع عنها الشعوب،
أو وطن بلا روح،
بلا ذاكرة،
وبلا شرف.
وطنٌ يُحمى… أو لا يكون.
#مرايا_الدولية



