كتب عساف شاهين
لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 حدثاً أمنيًا صادمًا فحسب، بل محطة مفصلية أعادت تعريف معنى الدولة في لبنان. في ذلك اليوم، لم يُستهدف رجل سياسة فقط، بل سقطت معه صيغة دقيقة كانت تقوم على إدارة التناقضات بدل تفجيرها، وعلى ضبط الخلافات داخل المؤسسات لا في الشارع.
كان الحريري أكثر من زعامة طائفية أو مشروع إعمار؛ كان تجسيدًا لفكرة “تدوير الفروقات” القادرة على وصل الداخل بالخارج، وربط الاقتصاد بالسياسة، والتوازنات الإقليمية بالاستقرار المحلي. ومع غيابه، انكشف النظام اللبناني على هشاشته البنيوية، وبدأت التصدعات تظهر تدريجيًا، حتى بلغ البلد مرحلة يُدار فيها الانهيار بخطاب شعبوي لا بسياسات إنقاذ.
في تلك المرحلة، برزت أهمية العلاقات التي كانت تُدار بعيدًا عن الأضواء، وفي مقدّمها التفاهم العميق بين الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري. لم تكن علاقة تحالف تقليدي، بل شراكة في حماية الاستقرار: أحدهما يعيد وصل لبنان بالعالم ويبني اقتصاده، والآخر يحرس التوازن الداخلي ويمنع انزلاق النظام إلى الفوضى. اختلافهما كان عنصر توازن، لا تفجير، وهو ما افتقده لبنان لاحقًا حين حلّ خطاب الكراهية مكان لغة الدولة، والمزايدة المذهبية مكان السياسة الرشيدة.
بعد 2005، انتقل البلد من منطق الدولة التي تحتوي صراعاتها إلى ساحة تُستخدم لتصفية الصراعات. غابت الشخصيات القادرة على امتصاص الصدمات، وتحولت الخلافات السياسية إلى انقسامات وجودية، وفقدت المؤسسات دورها كمساحات تسوية. في هذا المناخ، لم يعد الخطر في الخلاف نفسه، بل في غياب من يديره، وفي صعود فئة سياسية لا تعيش إلا على الاستثمار في الانقسام وتأجيج العصبيات.
الخطاب الفتنوي لم يكن يوماً دليل قوة، بل علامة عجز. هو خطاب من لا يملك مشروع دولة، فيستعيض عنه بإثارة الغرائز، ومن يفشل في تقديم حلول سياسية واقتصادية واجتماعية، فيلجأ إلى شدّ العصب الطائفي كوسيلة للبقاء. هؤلاء لا يحمون الطوائف، بل يستخدمونها وقودًا لمعاركهم الصغيرة، ويدفعون البلاد نحو مزيد من التفكك.
في هذا السياق، برز دور نبيه بري كأحد آخر حراس المعادلة اللبنانية التقليدية: الحوار بدل القطيعة، التسوية بدل المغامرة، والمؤسسات بدل الشارع. لم يكن هذا الدور ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية في مرحلة كادت تنزلق نحو صدام أهلي شامل. وبفضل موقعه وخبرته، حافظ على الحد الأدنى من التواصل بين الخصوم، ومنع انهيارًا كاملًا للبنية الدستورية، في وقت كانت الدولة تتآكل تحت ضربات الشعبوية.
ومن قلب هذا المشهد، تبرز أهمية إعادة قراءة موقع الرئيس سعد الحريري بعيداً عن المقاربات السطحية. فهو ليس “إرثاً” سياسياً بالمعنى التقليدي، ولا امتدادًا ميكانيكيًا لمرحلة مضت، بل حلقة وصل نادرة بين ما قبل 2005، حيث كانت الدولة أولوية، وبين حاضر مثقل بالتعقيدات. أثبت الحريري أن الشخصية الجامعة للطائفة السنية المعتدلة ليست ترفاً، بل حاجة وطنية، وأن الاعتدال ليس ضعفًا، بل شرطًا للاستقرار.
غياب هذا النوع من الشخصيات لا يملؤه خطاب متطرف ولا زعامة صاخبة، بل يترك فراغًا خطيرًا تستثمره قوى الفتنة. ولبنان اليوم يحتاج إلى شخصيات تبني الجسور لا الخنادق، لأن انهيار الوسط هو مقدمة لانفجار الأطراف.
إن قراءة مرحلة ما بعد اغتيال الحريري لا تكتمل من دون فهم أن الاستقرار في لبنان لم يكن يومًا حالة طبيعية، بل نتيجة جهد دائم لإدارة التناقضات. وعندما غاب أحد أعمدة هذا الجهد، لم يبقَ سوى القلة القادرة على منع الانهيار الكامل. من هنا، يصبح الحفاظ على السلم الأهلي فعل مقاومة بحد ذاته، في بلد يدفع ثمن فقدان التوازن أكثر مما يدفع ثمن الصراع.
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى زعامات جديدة، بل إلى استعادة ثقافة إدارة الخلاف، تلك التي تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لا ساحة مفتوحة. فغياب الوسطاء الكبار أخطر من وجود الخصوم، وأخطر ما يواجهه الوطن ليس الخلاف، بل من يحوّله إلى فتنة ويستثمر فيه لتغطية فشله. والاستقرار، مهما بدا هشاً، يبقى الخيار الوحيد القادر على إبقاء لبنان قائماً
#مرايا_الدولية



