لبنان

الأمريكي هو خلاص لبنان… بشروط المقاومة

مرتضى: كل طرف يسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة

كتب علي شفيق مرتضى

‏١٦ آذار ٢٠٢٦

‏تدخل المنطقة اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ عقود. فالصراع لم يعد مجرد توترات سياسية أو رسائل عسكرية محدودة، بل يبدو أنه يتجه نحو معركة كسر عظم بين محورين واضحين: محور تقوده إيران ومعها حركات المقاومة في لبنان والعراق، مع جهوزية يمنية متزايدة، ومحور آخر تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

‏هذه المواجهة لم تعد محصورة بجغرافيا محددة، بل أصبحت حرب نفوذ وإرادات على مستوى الإقليم كله، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية في مشهد يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

‏سقوط المفهوم القديم للحماية الأمريكية

‏لعقود طويلة ترسخ في المنطقة مفهوم أساسي مفاده أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمثلان المظلة الأمنية لدول الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج. لكن ما يجري اليوم يهز هذا المفهوم من أساسه.

‏فالمواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة لم تعد بمنأى عن الاستهداف، كما أن المصالح الاقتصادية الغربية أصبحت عرضة للضغط تحت لهيب النار. لقد انتقلت المواجهة من حدود الدول إلى عمق المنشآت والقواعد وحتى الأماكن التي كان يُعتقد أنها بعيدة عن دائرة النار.

‏هذا التحول كشف حدود القوة الأمريكية في المنطقة، وأظهر أن القدرة على فرض الاستقرار بالقوة العسكرية لم تعد كما كانت في السابق.

حرب الإرادات

‏المعركة الحالية تبدو أقرب إلى حرب إرادات طويلة النفس، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلة ردع جديدة.

‏إيران من جهتها تحاول تثبيت فكرة أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُفرض من الخارج، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تأخذ في الاعتبار حضور قوى المقاومة ونفوذها في أكثر من ساحة.

‏في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع تشكل واقع إقليمي جديد يحد من نفوذهما الاستراتيجي.

‏لكن التجارب التاريخية في المنطقة تشير إلى أن مثل هذه المواجهات غالباً ما تنتهي بتسويات سياسية بعد مراحل من التصعيد العسكري.

‏التسويات الكبرى تمر عبر واشنطن

‏رغم كل ما يجري من مواجهات، يبقى واضحاً أن أي تسوية إقليمية في نهاية المطاف ستحتاج إلى تفاهم أمريكي إيراني مباشر أو غير مباشر.

‏وفي مثل هذه التسويات الكبرى، غالباً ما تكون الملفات الإقليمية مترابطة، ولبنان واحد من أبرز هذه الملفات.

‏إيران تعتبر لبنان جزءاً أساسياً من معادلة الردع في مواجهة إسرائيل، ولذلك يصعب تصور أي تسوية تقبل فيها طهران بأن يصبح لبنان ساحة مفتوحة للنفوذ الإسرائيلي.

‏ومن هنا يبدو أن أي اتفاق مستقبلي سيأخذ بالاعتبار التوازنات القائمة في لبنان ودور المقاومة فيه.

‏كلمة السر الأمريكية في الداخل اللبناني

‏في الداخل اللبناني، غالباً ما تنعكس التحولات الإقليمية بسرعة على المشهد السياسي.

‏فالعديد من القوى السياسية الإنبطاحية المرهونة للغرب، تربط خياراتها بالتوجهات الدولية، وتحديداً بالموقف الأمريكي. لذلك فإن أي إشارة سياسية قادمة من واشنطن يمكن أن تعيد ترتيب التحالفات والاصطفافات داخل البرلمان اللبناني.

‏وقد شهد اللبنانيون مثالاً واضحاً على ذلك خلال الاستحقاق الرئاسي الأخير، عندما تحولت مواقف بعض القوى السياسية بسرعة ( القوات اللبنانية ، الكتائب وغيرهم ) بعد تبدل الإشارات الدولية، الأمر الذي أدى إلى انتخاب رئيس للجمهورية بعد أشهر طويلة من التعطيل.

‏هذا النموذج يعكس إلى حد بعيد طبيعة النظام السياسي في لبنان، حيث تتقاطع العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية بشكل دائم ، والمضحك ان جزء منهم صنيعة المحتال “ابو عمر” ، وهذا دليل أن قسم من ساسة لبنان لا يعرفون أن يحكموا دون أوامر خارجية.

خلاصة المعادلة

‏في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن مستقبل لبنان لن يُرسم فقط في بيروت، بل أيضاً في العواصم الكبرى المؤثرة في المنطقة.

‏لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن ميزان القوى الذي فرضته المقاومة خلال السنوات الماضية أصبح جزءاً من أي معادلة سياسية مستقبلية.

‏ومن هنا تظهر المفارقة: فالتسويات قد تمر عبر الولايات المتحدة، لكن شروط الاستقرار في لبنان لن تكون ممكنة دون أخذ واقع المقاومة وقوتها في الاعتبار.

‏وبذلك قد يكون “الخلاص الأمريكي” للبنان ممكناً، ولكن فقط ضمن معادلة تفرضها موازين القوى الجديدة في المنطقة… أي بشروط المقاومة.

‏#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى