كتب التربوي علاء حنظل ناصر الدين
حين تتحوّل وزارة التربية إلى فرعٍ للإسعاف النفسي الجماعي.
في التاريخ الطبي، ارتكب الجرّاح البريطاني الشهير Robert Liston عملية بتر تحوّلت إلى نكتة سوداء تُدرَّس حتى اليوم.
كان الرجل يتباهى بسرعته الخارقة في إجراء العمليات، حتى إنه بتر ساق مريض خلال ثوانٍ… ومعها أصابع مساعده بالخطأ، فأُصيب الاثنان بالعدوى وماتا لاحقاً، بينما سقط أحد الحاضرين ميتاً من هول المشهد.
وهكذا دخلت العملية التاريخ كأول عملية جراحية بنسبة وفيات بلغت 300%.
لكن يبدو أن وزيرة التربية في لبنان قررت أخيراً تحطيم الرقم القياسي لليستون، عبر تحويل الامتحانات الرسمية إلى تجربة وطنية مفتوحة بين الرعب والكوميديا السوداء والإنكار الرسمي.
فالوزيرة ريما كرامي تتصرّف وكأنها وزيرة تربية في دولة اسكندنافية هادئة، لا في بلد نصف جنوبه تحت النار، والضاحية الجنوبية خارجة من حرب ودمار وما زالت بنزوح، ومئات المدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء في المناطق الآمنة، وآلاف الطلاب لا يعرفون أصلاً أين كتبهم، ولا أين غرف نومهم، ولا حتى أين استقرّت عائلاتهم.
ومع ذلك، تُصرّ الوزارة على إقامة الامتحانات الرسمية، وكأن المطلوب من الطالب اللبناني ألا ينجح فقط في الرياضيات والكيمياء، بل أن ينجو أيضاً من القصف، والانهيار النفسي، والتهجير، وانقطاع الإنترنت والكهرباء، ثم يصل إلى مركز الامتحان حاملاً بطاقة ترشيحه وكأنه ذاهب إلى نزهة مدرسية في سويسرا.
أي عبقرية هذه؟
في دول العالم، حين تقع كارثة، تُخفَّف المناهج، وتُؤجَّل الامتحانات، وتُراعى الظروف النفسية.
أما عندنا، فالمطلوب من الطالب أن يراجع الفيزياء على ضوء الشمعة، ويحفظ الفلسفة داخل مركز إيواء، ويقدّم الامتحان الرسمي فيما الطائرات المسيّرة تمرّ فوق رأسه كأنها فقرة سمعية في امتحان اللغة الأجنبية.
والأجمل أن الوزارة تتحدث عن “العدالة بين الطلاب”.
أي عدالة بالضبط؟
طالب في منطقة آمنة يدرس بهدوء، وآخر خرج من منزله تحت الركام، وثالث لا يزال ينام في صفّ مدرسي مع عائلته، ثم تأتون لتقولوا لهم:
“فلنتنافس بشرف.”
هذا ليس تكافؤ فرص، هذا برنامج مسابقات بعنوان:
“من ينجُ أولاً… ينجح أولاً.”
حتى فرنسا، بكل مؤسساتها وخبراتها، أدركت أن الوضع في لبنان غير طبيعي، فألغت امتحانات البكالوريا الفرنسية، كما أُلغيت البكالوريا الدولية في لبنان مراعاةً للظروف.
أما عندنا، فالوزارة تتصرّف بعقلية موظف أرشيف يخاف أن يتأخر ختم المعاملة.
الأسوأ أن المسؤولين يتحدثون عن “هيبة الدولة”.
يا جماعة، هيبة الدولة لا تُبنى فوق أعصاب الطلاب المدمّرة.
هيبة الدولة تكون بحماية المدارس، لا بإجبار الطلاب على تقديم امتحانات داخل بلد مفتوح على الاحتمالات الأمنية والنفسية والإنسانية.
ثم من قال إن الطالب اللبناني آلة؟
هذا الجيل عاش انهياراً مالياً، ثم كورونا، ثم انفجار المرفأ، ثم حرباً ونزوحاً ودماراً، والسلطة ما زالت تتعامل معه كأنه روبوت يعمل على بطارية صينية رخيصة:
“اشتغل… ولو احترقت.”
وزارة التربية اليوم لا تدير امتحانات، بل تدير تجربة ضغط نفسي جماعي، والنتيجة المتوقعة ليست نسب نجاح ورسوب، بل دفعة جديدة من القلق والانهيار والتفاوت والظلم.
ولو كان روبرت ليستون حيّاً اليوم، لوقف احتراماً أمام هذه الخطة العبقرية، واعترف أخيراً بأن هناك من استطاع تجاوز إنجازه التاريخي.
#مرايا_الدولية




