بقلم التربوي حسين شعيتو
١٨ / ٥ / ٢٠٢٦
في بلدٍ تُقفل فيه المدارس أبوابها بسبب العجز، ويُترك الأساتذة لمصيرهم بين الرواتب المنهارة والإضرابات المتكررة، يبدو أنّ أولويات وزيرة التربية ريما كرامي تسير في اتجاه مختلف تماماً : الرحلات الرسمية الفاخرة والمرافقات العائلية على حساب المال العام.
فالمشاركة اللبنانية في المؤتمر السنوي الدولي للتعليم في لندن ليست حدثا استثنائياً . على مدى سنوات، كانت وزارة التربية ترسل أصحاب الاختصاص المباشر: مديرين عامين، خبراء تربويين، مسؤولين تقنيين، أو موظفين معنيين بملفات التعليم العالي والمناهج والسياسات التعليمية.
لكن ما جرى هذه المرة يطرح علامات استفهام ثقيلة.
الوزيرة لم تسافر فقط بصفتها الرسمية، بل اصطحبت معها شقيقها المحامي فهمي كرامي، الذي يشغل موقع “المستشار القانوني الخاص”، على نفقة وزارة التربية، وبدرجة رجال الأعمال، في وقت تعجز فيه الوزارة نفسها عن تأمين أبسط احتياجات المدارس الرسمية.
أي منطق إداري أو تربوي يبرّر إرسال محامٍ إلى مؤتمر تعليمي دولي؟
وأي ملف قانوني طارئ يحتاج إلى مرافقة شخصية للوزيرة في مؤتمر يناقش التعليم والشراكات الأكاديمية والتحول الرقمي؟
الأخطر ليس فقط وجود الشقيق ضمن الوفد، بل طبيعة الامتيازات الممنوحة له.
تذكرة “Business Class” على متن Middle East Airlines تُقدّر بآلاف الدولارات، فيما تتحمل الدولة أصلاً تكاليف إضافية من بدل إقامة ومصاريف وتنقلات، رغم أن الجهة المنظمة عادة ما تستضيف الوزراء المشاركين وتتكفل بجزء كبير من نفقاتهم.
أي أن المواطن اللبناني دفع — مرة جديدة — فاتورة رفاهية السلطة.
في المقابل، تعج الوزارة أصلاً بالمستشارين والمتعاقدين وأصحاب الرواتب المرتفعة ومن ضمنهم هذا الشقيق نفسه، الذين قيل إن الوزيرة شكّلت عبرهم “فريقها الخاص” داخل الوزارة. وإذا كان هذا الجيش من المستشارين موجوداً أصلاً ، فما الحاجة إلى استقدام شقيق الوزيرة شخصياً إلى لندن؟
وهل تحوّلت الوزارة إلى مؤسسة عائلية تُوزّع فيها المهمات والسفرات وفق معيار القرابة لا الكفاءة والاختصاص؟
الأسئلة هنا ليست شخصية، بل تتعلق بمفهوم إدارة الدولة.
حين يُستخدم الموقع الوزاري لتأمين امتيازات خاصة، وحين تُصرف الأموال العامة على سفر غير مبرر، وحين يصبح القرب العائلي بوابةً للوفود الرسمية، فإن الحديث لم يعد عن “خطأ إداري”، بل عن ذهنية كاملة تقوم على اعتبار الدولة مزرعة مفتوحة للمحاسيب.
والمفارقة القاسية أن هذا كله يجري تحت عنوان “إصلاح التعليم”.
أي إصلاح يمكن أن يبدأ من هدر المال العام؟
وأي ثقة يمكن أن يمنحها اللبنانيون لوزارة تطلب التقشف من المدارس فيما تُنفق بسخاء على المرافقين والمحاسيب؟
لبنان الذي يعجز فيه آلاف الطلاب عن دفع بدل نقلهم إلى المدارس، لا يحتاج إلى وزراء يسافرون برفقة أشقائهم على الدرجة الأولى، بل إلى إدارة تعرف أن المال العام ليس ملكاً شخصياً، وأن الوزارة ليست وكالة سفر عائلية.
#مرايا_الدولية



