لبنان

بيرم: السلطة تطبق أجندة عجز الاحتلال عن فرضها

حزب الله يكرم شهداء معركة العصف المأكول بالشعيتية

تخليداً للتضحيات الكبيرة والجهود المباركة، ودعماً للذاكرة الحية لشهداء المقاومة الإسلامية

نظم حزب الله حفلاً تكريمياً حاشداً في بلدة الشعيتية الواقعة بجنوب لبنان، تكريماً لكوكبة من الأبطال الذين استشهدوا في مواجهات معركة العصف المأكول، وقد شهد الاحتفال حضوراً لافتاً من الوزير السابق مصطفى بيرم، برفقة عائلات الشهداء الأبرار، وعدد من أعضاء القيادة في المنطقة الأولى، إلى جانب حشد من علماء الدين، والوجهاء، والشخصيات البارزة، وجمع غفير من أهالي البلدة والقرى المجاورة.

وافتتحت المناسبة بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، تلتها كلمة شاملة للوزير بيرم، أشار فيها إلى أن الجمهورية الإسلامية في إيران تمكنت من صياغة مذكرة تفاهم إقليمية على درجة عالية من الأهمية، تعكس بشكل واضح انكساراً كبيراً للمخططات الأميركية في المنطقة، وهو أمر لم يستوعبه الجانب الأميركي بعد، ولذلك يسعى جاهداً لاختراق مفاعيلها عبر التحركات في مضيق هرمز، وأضاف بيرم أنه بدلاً من استثمار وقف إطلاق النار الخاص بلبنان والوارد ضمن هذه المذكرة الإقليمية، فإنه بمجرد توقف العمليات التفجيرية تزامناً مع إبرام اتفاق العار بين السلطة الحاكمة والكيان الإسرائيلي، عادت التفجيرات لتستهدف جنوب لبنان مجدداً، وعزا السبب في ذلك إلى وجود سلطة سياسية دخلت الحكم محملة بدفتر شروط مسبق، يفرض عليها إنجاز ما عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيقه في ساحات القتال والميدان بالوسائل السياسية، حتى لو جاء ذلك على حساب مصلحة الوطن، أو هدد السلم الأهلي، أو ضرب بعرض الحائط الصلاحيات الدستورية.

وشدد بيرم على أن التعامل مع هذا الواقع المعقد يتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والتبصر، بالتوازي مع التمسك الصارم بالمبادئ الأساسية وعدم التفريط بالثوابت الوطنية، مؤكداً بكل حزم أن اليد التي ستمتد باتجاه المقاومة لتؤدي دوراً بديلاً عن الاحتلال الإسرائيلي سيتم قطعها دون تردد، نظراً لكونها أداة إسرائيلية واضحة، وأوضح أنه في إطار هذا السقف، يجري العمل على صيانة الوحدة الداخلية، والالتزام بالحكمة والتصرف المسؤول والواعي، نظراً لامتلاك المقاومة أوراق قوة كثيرة، لافتاً إلى أن جزءاً أساسياً من عناصر القوة يكمن في تعرية هذه السلطة وفضحها أمام الرأي العام، لكونها تفتقر للفهم الدستوري، وقامت بالإطاحة بالصلاحيات الدستورية وعملت على تغييب دور الحكومة اللبنانية بشكل كامل.

وتساءل بيرم في حديثه موجهاً كلامه للجمهور: اسألوا أي وزير يتواجد في التشكيلة الحكومية الحالية، وسيكون جوابه أنه لا يملك أدنى فكرة عما يدور من حوله، وأوضح أن هناك شخصاً يترأس السلطة، ووصفه بـ”رئيس السلطة” لأنه قام بتحويل النظام الجمهوري إلى صلاحيات وامتيازات شخصية حصرية له، واستعان بمجموعة من المستشارين، مقصياً أي نائب أو وزير من صلب الحكومة، في حين أن الدستور اللبناني يقر صراحة بأن السلطة الإجرائية تناط بمجلس الوزراء مجتمعاً، وبناءً على ذلك، تم تعطيل العمل المؤسساتي عبر رئيس حكومة متفاهم ومتواطئ مع رئيس السلطة، وكأنه تفرغ تماماً للتنازل عن صلاحياته الرسمية، كون المهمة الأساسية الموكلة إليهما تتلخص في إنهاء ظاهرة المقاومة، مستدركاً بالقول: “ولكن هيهات لهم ذلك”.

ومضى الوزير السابق يحلل الواقع الإقليمي مبنياً أن إسرائيل تمثل ثكنة عسكرية متقدمة غرسها الغرب الجماعي في قلب منطقتنا العربية والإسلامية، بهدف الهيمنة التامة على الثروات والموارد الطبيعية، والعمل على تفتيت الشعوب وإشعال فتن وصراعات مذهبية، وطائفية، وعرقية، حيث يقوم هؤلاء بالاستيلاء على الأموال الثروات العربية مقابل تقديم وعود واهية للحكام بالبقاء في مناصبهم، بشرط أن يعملوا على محاربة ثقافة المقاومة وتصفيتها في بلدانهم، كي تظل إسرائيل هي القوة المهيمنة والسيدة المطلقة، واعتبر أن هذا المشروع التدميري أعلنه ديفيد بن غوريون بوضوح عام 1948 حين صرح بأن تفوق الكيان الإسرائيلي وازدهاره وحمايته ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأن يظل المحيط الجغرافي بأكمله ضعيفاً، ومجزأً، وغارقاً في الاقتتال الداخلي، مما يفسر رغبتهم في عزل الطوائف والأعراق كالشيعة، والسنة، والدروز، والمسيحيين، والتتار، والأكراد، والفرس، والعرب، والأتراك، بحيث يعيش كل طرف في معزل عن الآخر، ويتحول الجميع إلى أعداء متناحرين، لتظل إسرائيل متفوقة ومنتصرة دائماً.

وأشار بيرم إلى أن العنصر الوحيد القادر على صهر هذه القوى وكسر الحواجز الإثنية والطائفية والمذهبية يتجسد في صياغة تاريخ نضالي مشترك، وذلك عبر خيار المقاومة، التي تصبح بحق عنواناً لعزتنا وكرامتنا، متسائلاً أليس من الأجمل والأشرف أن يرتبط تاريخنا بيوم المقاومة والتحرير في الخامس والعشرين من أيار، بدلاً من الارتباط بذكرى هزيمة عام 1967؟ ومؤكداً أن هذا الخيار هو الذي يغير مجرى الرواية التاريخية بالكامل.

وتطرق بيرم إلى التطورات الأخيرة مبيناً أنه بعد ذلك جاء حدث “طوفان الأقصى” الضخم وغير المتوقع، والذي كاد أن يؤدي إلى انهيار الكيان الصهيوني وسقوطه بالكامل، مما دفع المنظومة الغربية للتدخل السريع وخلال ساعات معدودة لإنقاذه، فتحركت بريطانيا، وأمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، مسنودين بالمال العربي وبكافة الإمكانات المتاحة، وطلبوا من سلطات الاحتلال ــ التي كانت تعيش صدمة السقوط الوشيك وخسارة مشروعهم الاستراتيجي ــ القيام برد فعل إبادي وحشي، لا يقتصر على قطاع غزة فحسب، بل يمتد ليشمل غزة ولبنان والعديد من الساحات، واعتبر أن هذا يؤكد وجود مخطط شامل يستهدف المنطقة بأسرها، مستشهداً بأن الجمهورية العربية السورية لم تطلق رصاصة واحدة في هذه الجولة، ومع ذلك تم احتلال أحد عشر ألف كيلومتر مربع من أراضيها، وهي مساحة تفوق مساحة لبنان الإجمالية، كما كشف أنه في العراق، تم رصد واكتشاف قاعدتين عسكريتين تابعتين للاحتلال الإسرائيلي في عمق صحراء النجف دون معرفة أو علم السلطات الرسمية العراقية.

وتابع بيرم موضحاً أن المشروع الخطير الذي يتهدد مستقبلنا يبحث فقط عمن يمتلك الشجاعة والقدرة للوقوف في وجهه والتصدي له، ونحن بالتأكيد من يتصدى لهذا المخطط، حيث شنوا حرباً شعواء في عام 2024، واستهدفوا قيادتنا وقطعوا الرأس، إلا أن جسد المقاومة لم يسقط أبداً، بل شكل بقاؤنا واستمرارنا معجزة حقيقية بالنظر حجم وعمق الخسائر القاسية التي تعرضنا لها، ونتيجة لإخفاقهم العسكري الذريع في الميدان، لجأوا إلى الغدر بالجمهورية الإسلامية في إيران، لرغبتهم المحمومة في إسقاط طهران وتصفية كافة قوى وحركات المقاومة المنتشرة في العالم.

وفي ختام كلمته، شدد بيرم على أن المقاومة لا تختصر في مفهوم السلاح المادي فقط، بل هي كما عبّر عنها سماحة السيد حسن نصر الله مفهوم وجودي: «أنا أقاوم، إذًأ أنا موجود»، وتمنى لو أن مؤسسات الدولة والجيش يقومون بواجب الدفاع عن المواطنين، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا توجد أي مشكلة في العقيدة القتالية للجيش اللبناني، وأن الرهان يبقى كبيراً على مستوى وعي، وحكمة، ووطنية قائد الجيش اللبناني للحيلولة دون انزلاق البلاد نحو الشرك الإسرائيلي، الذي يسعى، بناءً على ما صرح به قادة الاحتلال، إلى جعل اتفاق الإطار وسيلة تشرعن بها السلطة اللبنانية وجودهم واحتلالهم للأرض، في سابقة خطيرة لم تشهدها تواريخ الشعوب، فضلاً عن تجريم حق المجتمعات المشروعة في الدفاع عن أنفسها، وجزم بيرم بأن حقنا في ممارسة المقاومة لا ينتظر إذناً من أحد ولا يحتاج لقرار أو حبر على ورق، لأننا نكتب فصول مقاومتنا بدمائنا الزكية، في حين أن حبر اتفاقياتهم كُتب بالذل والمهانة، ومختتماً بأن ما يكتب بالحبر الإسرائيلي مصيره الزوال والتبدد حتماً، أما ما يسطره الشهداء بدمائهم الطاهرة فهو الذي سيبقى خالداً وراسخاً على مر الأزمان

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى