لبنان

ريما كرامي تُكرس انتحال صفة تفتيش ل١٥٠ شخصاً

«داتا» موجودة أصلاً والمال العام يدفع ثمن التكرار

كتب الباحث منير حرب

بقرارها رقم ١١٨٧/م/٢٠٢٦ الصادر بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦، قررت وزيرة التربية ريما كرامي تشكيل فريق عمل واسع يقارب عديده ١٥٠ مدير مدرسة رسمية وموظفاً للانتقال إلى المدارس ومباشرة المهمة الميدانية، باستخدام الحواسيب وإدخال المعلومات.

وهنا تبدأ الفضيحة الإدارية من سؤال واحد:

ما الذي سيبحث عنه هذا الفريق في المدارس الرسمية، إذا كانت الداتا المطلوبة موجودة أصلاً على نظام SEMIS؟

فمديرو المدارس الرسمية هم أنفسهم من قاموا بإدخال المعلومات والبيانات إلى النظام الإلكتروني. والمدرسة مرتبطة بالوزارة. والمعلومات موجودة. أي إن العمل أنجزه مديرو المدارس بالفعل ضمن وظائفهم ومهامهم الأساسية.

لكن الوزارة قررت أن تعيد إنتاج العمل.

المدير يُدخل المعلومات إلى SEMIS.

ثم تُرسل الوزارة فريقاً إلى المدرسة.

يحمل الفريق حواسيبه.

ثم يعيد إدخال المعلومات.

وهكذا يصبح لدينا عمل إلكتروني يتكرر إلكترونياً، ولكن مع فارق جوهري واحد: المرة الثانية يدفع ثمنها المال العام.

١٢٠ دولاراً للبحث عن معلومات تعرف الوزارة مكانها

أعضاء الفريق لا يقومون بهذه المهمة في إجازاتهم، بل خلال أيام الدوام الرسمي. أي إنهم يتقاضون رواتبهم الأساسية، ثم يتقاضون تعويضاً قدره ١٢٠ دولاراً عن اليوم الميداني.

ولذلك فإن المسألة ليست مجرد تشكيل فريق، إنها كلفة مالية مباشرة:

راتب أساسي مستمر، وتعويض ميداني إضافي، وفريق ضخم، ومهمة تتناول بيانات موجودة أصلاً.

وكل هذا في وقت يقف فيه المعلم في القطاع الرسمي أمام راتب هزيل لا يكفيه، ويُقال له إن الدولة لا تملك الأموال.

نعم لا يوجد مال لإنصاف المعلم، لكن يوجد مال لإرسال ١٥٠ شخصاً إلى المدارس لكي يعيدوا إدخال داتا أدخلها مدير المدرسة أساساً.

فما قيمة نظام SEMIS إذاً؟

هل أُنشئ ليكون قاعدة بيانات مركزية؟ أم مجرد ديكور إلكتروني، ندخل إليه المعلومات ثم ننفق المال على فرق تنزل إلى المدارس لتسأل عنها من جديد؟

المكننة وُجدت لمنع تكرار العمل. أما في وزارة ريما كرامي، فيبدو أن المكننة أصبحت سبباً لخلق عمل مكرر.

وهذا هو الهدر الحقيقي:

أن تدفع ثمن العمل الأول، ثم تدفع ثمن العمل الثاني، لتحصل في النهاية على المعلومة نفسها.

وإذا كان الهدف التحقق… فلماذا ليس عبر التفتيش؟

وإذا قيل إن مهمة الفريق ليست جمع الداتا فقط، بل التحقق ميدانياً من مباشرة العمل ومراقبة الواقع داخل المدارس، فإننا أمام مسألة أكثر جدية.

لأن الفريق، في هذه الحالة، لا يقوم فقط بإدخال المعلومات.

إنه يمارس عملياً دوراً رقابياً:

ينتقل إلى المدرسة.

يتحقق من الواقع.

يتابع مباشرة العمل.

ويرفع النتائج.

وهذه في جوهرها أعمال ذات طبيعة تفتيشية ورقابية. لكن الفريق ليس التفتيش، إنما انتحال صفة لهذه المهمة.

وهنا لا بد من السؤال:

هل أصبحت وزارة التربية تنشئ جهاز تفتيش خاصاً بها كلما أرادت مراقبة المدارس؟ وإذا كانت المعلومات موجودة على SEMIS، فجمعها لا يحتاج إلى فريق ميداني.

وإذا كانت الوزارة تريد التحقق من صحة المعلومات والواقع الفعلي، فهناك جهات رقابية مختصة.

أما الجمع بين الأمرين داخل فريق من ١٥٠ شخصاً، فهو يطرح سؤالاً حول تكرار العمل وتداخل الصلاحيات معاً.

المدير العام في الهامش… ومديرية التعليم الابتدائي في الواجهة

لكن المسألة الأكثر خطورة ليست مالية فقط. القرار موجّه إلى مديرية التعليم الابتدائي. وهنا يجب التوقف عند قاعدة إدارية بديهية:

مديرية التعليم الابتدائي ليست رأس الهرم الإداري في المديرية العامة للتربية.

رأس الهرم هو المدير العام للتربية.

والمديريات والوحدات والمناطق التربوية تعمل ضمن المديرية العامة التي يرأسها المدير العام.

فكيف يصدر قرار واسع يطال المدارس والمناطق التربوية، ثم يُمرر مسار تنفيذه عبر مديرية التعليم الابتدائي، وكأن المدير العام غير موجود؟

هل أصبح المدير العام مجرد منصب على الورق؟

هل يُستدعى عند الحاجة إلى توقيع؟

ثم يجري تجاوز موقعه عندما يتعلق الأمر بإدارة المديريات والمناطق؟

إن القرار، بهذا المعنى، لا يتجاوز المدير العام شكلياً فقط، بل يضعه خارج مركز العملية التنفيذية.

وذلك هو التهميش الحقيقي: لا أن تلغي المنصب، بل أن تُبقيه موجوداً وتسحب منه الملفات واحداً بعد آخر.

هنا «خبرية» جورج داوود

ومن هنا نصل إلى مدير التعليم الابتدائي جورج داوود.

المسألة ليست في شخصه، بل في الصلاحية التي يمارسها.

جورج داوود، حتى قبل تعيينه بالأصالة مدبراً للتعليم الابتدائي، كان يتعامل مع المناطق التربوية وكأنه رئيسها المباشر.

يتصرف معها من موقع الآمر.

ويتعامل معها من موقع المرجع.

في حين أن السؤال الأساسي بقي:

بأي صفة قانونية أصبح مدير التعليم الابتدائي رئيساً على المناطق التربوية؟

المناطق التربوية ليست إدارات فرعية تابعة لمديرية التعليم الابتدائي.

وليست فروعاً شخصية لمدير التعليم الابتدائي.

مديرية التعليم الابتدائي والمناطق التربوية، كلتاهما، وحدات ضمن المديرية العامة للتربية، ورأس هذه المديرية هو المدير العام.

لكن الممارسة خلقت واقعاً مختلفاً.

ومن خلال القرار الجديد، يبدو أن هذا الواقع يتعزز.

فالقرار يضع مديرية التعليم الابتدائي في الواجهة، في مهمة تشمل المناطق والمدارس، في وقت يُهمش فيه المدير العام عن موقعه الطبيعي في رأس التسلسل.

وهنا تكمن «الخبرية».

داوود كان يتصرف كرئيس مباشر للمناطق، والقرار يأتي ليكرّس هذا الواقع عملياً.

لا بقانون جديد.

ولا بتعديل رسمي واضح للهيكلية.

بل بالممارسة.

والأخطر أن الممارسة عندما تتكرر تتحول إلى عرف، ثم يحاول العرف أن يرتدي لباس الصلاحية.

المال العام يدفع… والمدير العام يتراجع… ومدير التعليم الابتدائي يتقدم

القرار إذاً ليس مجرد فريق عمل.

إنه يرسم صورة كاملة لطريقة الإدارة.

في الجانب المالي:

نحو ١٥٠ شخصاً يتحركون ميدانياً، مع تعويضات يومية، من أجل إدخال معلومات متوافرة أصلاً على SEMIS.

في الجانب الوظيفي:

الفريق يمارس في الميدان مهاماً رقابية وتفتيشية، من دون أن يكون جهاز التفتيش.

وفي الجانب الإداري:

يتراجع المدير العام عن موقعه الطبيعي في رأس العملية، وتتقدم مديرية التعليم الابتدائي لتصبح عملياً في موقع إدارة المناطق.

وهكذا تصبح المعادلة:

داتا موجودة أصلاً.

فريق كبير لإعادة إدخالها.

مال عام لتكرار العمل.

مهمة رقابية ينفذها فريق ليس التفتيش.

ومدير عام يُهمّش، مقابل تكريس نفوذ مدير التعليم الابتدائي على المناطق.

وهنا يجب أن تجيب وزيرة التربية على السؤالين الأوضح:

إذا كانت المعلومات موجودة على SEMIS، فلماذا تُصرف الأموال لإعادة جمعها وإدخالها؟ وبأي منطق إداري يتم تجاوز المدير العام للتربية، وتكريس مدير التعليم الابتدائي مرجعاً عملياً للمناطق التربوية؟

لأن المشكلة ليست في أن فريقاً زار المدارس. المشكلة في أن الوزارة دفعت لتكرار عمل أُنجز أصلاً، وأعطت فريقاً دوراً رقابياً يشبه التفتيش، ومررت العملية بطريقة تزيد من تهميش المدير العام وتكرس نفوذاً إدارياً لم يأتِ من رأس الهرم بل من الممارسة. في النهاية، لا نحتاج إلى ذكاء اصطناعي لفهم الأمر.يكفي أن نفتح نظام SEMIS.

فإذا كانت الداتا موجودة، يصبح السؤال: لماذا ندفع ١٥٠ شخصاً كي يذهبوا إليها؟

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى