شدّد رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام على أن
استعادة الثقة بالدولة اللبنانية تبدأ من تثبيت مؤسساتها وقرارها الوطني، مؤكداً أن لبنان يسعى إلى استعادة سيادته الكاملة على أراضيه، بالتوازي مع تنفيذ مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي وتعزيز استقلال القضاء.
جاء ذلك في كلمة ألقاها سلام خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور رؤساء الدول والحكومات، حيث تناول فيها التحديات الدولية الراهنة، إلى جانب الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه لبنان.
وقال سلام إن العالم لا يزال يعاني من الحروب والنزاعات رغم مرور أكثر من ثمانية عقود على تأسيس الأمم المتحدة، مع استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري على حساب التنمية، فيما يتحمل المدنيون القسم الأكبر من تداعيات الصراعات، من نزوح وجوع وحرمان.
وأشار إلى أن الأزمة لا تكمن في غياب القواعد الدولية بقدر ما ترتبط بانتقائية تطبيقها، معتبراً أن سيادة الدول والقانون الدولي يجب أن يكونا مبدأين غير قابلين للتجزئة أو التفاوض وفقاً للظروف.
وربط رئيس الحكومة بين السلام والتنمية، داعياً إلى الاستثمار في الوقاية من النزاعات ومعالجة الفقر والحرمان قبل تحولهما إلى عوامل تغذي العنف والتطرف والإرهاب. كما طالب بنظام اقتصادي دولي أكثر عدالة يساند الدول النامية، مع تأكيده أن ذلك لا يعفيها من مسؤولية الإصلاح ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات.
وفي ما يتعلق بالتغير المناخي، دعا سلام إلى توفير تمويل عادل لجهود التكيف ونقل التكنولوجيا، لافتاً إلى أن الدول الأقل مساهمة في ظاهرة التغير المناخي غالباً ما تتحمل الجزء الأكبر من آثارها.
كما تناول التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، معتبراً أن التطور التقني يفتح مجالات واسعة للتقدم، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات تتصل بسوق العمل وحقوق الإنسان والحريات والخصوصية. وشدّد على ضرورة وجود حوكمة دولية تضع الإنسان في صلب هذا التحول، وتحول دون نشوء فجوة في الذكاء الاصطناعي تضاف إلى فجوات الثروة والتنمية القائمة.
وعن الوضع اللبناني، أوضح سلام أن حكومته تولت المسؤولية في ظل ثلاثة ملفات أساسية، تتمثل في استعادة ثقة اللبنانيين بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت، وتكريس القرار الوطني بحيث لا تكون هناك سلطة تتجاوز الدولة أو سلاح خارج القوات المسلحة أو قرار بالحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية، إلى جانب استعادة الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على كامل ترابها.
وأكد أن هذه المسارات مترابطة، وأن الهدف النهائي يتمثل في إعادة بناء دولة يثق بها مواطنوها، وتمتلك قرارها وتمارس سيادتها على أراضيها.
وفي ملف انفجار مرفأ بيروت، شدّد سلام على أن الوصول إلى الحقيقة والعدالة والمحاسبة يمثل شرطاً لإنهاء آثار الكارثة، مؤكداً أن هذا المسار سيستمر. وأقرّ بأن الحكومة لم تستكمل جميع التعهدات التي قطعتها، لكنه أشار إلى حجم التحديات التي ورثتها، من شلل المؤسسات وتراجع أداء الإدارة إلى ضعف مقومات النمو الاقتصادي وتراكم الأزمات والتدخلات الخارجية على مدى عقود.
وقال إن صعوبة الظروف لم تتحول إلى مبرر للتراجع عن الإصلاح، مشيراً إلى إجراءات اتخذها لبنان في مجالات تفعيل الإدارة، وتعزيز استقلال القضاء، وتحديث قانون الإعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام.
كما لفت إلى استمرار العمل على الإصلاحات المالية بهدف إعادة الانتظام إلى الوضع المالي واستعادة الودائع، بما يمهّد للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، باعتباره رافعة لاستعادة الثقة الدولية بلبنان وتأمين التمويل من الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم مساري التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وأوضح أن الغاية من الإصلاح لا تقتصر على مطالبة اللبنانيين بتجديد ثقتهم بالدولة، وإنما إعادة بناء مؤسسات قادرة على استحقاق تلك الثقة.
وفي الشق المتعلق بالقرار الوطني، أكد سلام أن الحكومة ترجمت التزامها بحصرية السلاح بيد الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية عبر قرارات أصدرها مجلس الوزراء في آب وأيلول من العام الماضي، ثم في آذار من العام الحالي، وذلك في ظل حرب قال إن لبنان لم يخترها وإنما فُرضت عليه رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر الانجرار إليها.
وأضاف أن لبنان، مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة وتعدد المبادرات الساعية إلى إنهائها، يتمسك بأن تكون الدولة اللبنانية وحدها الجهة المخولة بالتحدث باسم البلاد والتفاوض عنها. وقال إن تأثر لبنان بما يجري في محيطه لا يعني قبوله بالتحول مجدداً إلى ساحة لصراعات الآخرين أو إلى ورقة في مفاوضاتهم.
وفي ما يخص الحرب مع إسرائيل، جدّد سلام مطالبة لبنان بوقف القتال وتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها، استناداً إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 وما نص عليه القرار 1701، إضافة إلى الإفراج عن جميع الأسرى وتهيئة عودة آمنة وكريمة للسكان إلى قراهم وبلداتهم وإعادة إعمار المناطق التي تضررت جراء الحرب.
وأشار إلى أن الدولة اللبنانية دخلت في مفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها، بهدف التوصل إلى ترتيبات تفضي إلى إنهاء الحرب واستعادة لبنان سيادته الكاملة.
وشدد على أن مفهوم السيادة الذي يتمسك به لبنان يشمل انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية بقواها الذاتية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها. وأضاف أن الإطار الثلاثي الذي تم التوصل إليه خلال المفاوضات يستند إلى هذين المبدأين، إضافة إلى قاعدتي التبادلية والمرحلية.
وأكد سلام أن اختبار أي اتفاق لا يكون من خلال النوايا المعلنة، وإنما بمدى تنفيذ الالتزامات الواردة فيه، داعياً إلى تحويل الإطار المتفق عليه إلى خطوات عملية وفق جدول زمني واضح وآلية للتحقق من تنفيذ جميع البنود.
وفي هذا السياق، أثنى على الدور الذي أدته قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، مشيداً بقيادتها وعناصرها وموظفيها وما قدموه من تضحيات في سبيل دعم الاستقرار ومساندة الجيش اللبناني وتنفيذ القرار 1701، كما وجّه الشكر إلى الدول المشاركة في القوة.
وتطرق سلام إلى قرار مجلس الأمن رقم 2790 لعام 2025، الذي نص على إنهاء عمليات اليونيفيل في نهاية العام، وبدء انسحابها تدريجياً، إلى جانب تكليف الأمين العام للأمم المتحدة باستكشاف الخيارات المتاحة لمواصلة تنفيذ القرار 1701.
وأكد أهمية تجنب أي فراغ قد ينتج عن انسحاب اليونيفيل في حال لم يتم الاتفاق على قوة دولية جديدة تتولى مهامها، بما يضمن استمرار المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتتكامل مهامها مع متطلبات تنفيذ الإطار الثلاثي.
وفي ختام كلمته، انتقل سلام إلى مسألة إصلاح الأمم المتحدة، معتبراً أن التغييرات التي طرأت على العالم منذ عام 1945 تستدعي تطوير بنية المنظمة الدولية بما يتناسب مع الواقع الحالي.
ولفت إلى أن عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تضاعف نحو أربع مرات، وانتهى الاستعمار، وشهدت إفريقيا وآسيا تحولات واسعة، وبرزت قوى جديدة، كما تبدلت موازين الاقتصاد العالمي، في حين بقيت البنية الأساسية لمجلس الأمن مرتبطة بالمرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
ودعا إلى منح إفريقيا والعالم العربي تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، وإتاحة دور أكبر للدول الصغيرة والمتوسطة في القرارات المرتبطة بأمنها ومستقبلها.
وقال إن تعقيد إصلاح مجلس الأمن لا ينبغي أن يكون سبباً لتأجيله، مشدداً على أن إصلاح الأمم المتحدة يجب أن يبدأ من المجلس الذي تقع عليه المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
وأكد أن لبنان ينضم إلى غالبية أعضاء المنظمة في الدعوة إلى توسيع مجلس الأمن بما يحقق تمثيلاً أكثر شمولاً وعدالة، موضحاً أن الطرح اللبناني لا يدعو إلى إلغاء حق النقض، بل إلى تقييد استخدامه في حالات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وختم سلام بالتأكيد أن الهدف من إصلاح الأمم المتحدة هو الوصول إلى منظمة أكثر تمثيلاً وديمقراطية وفاعلية، وقادرة على الحفاظ على مبادئ ميثاقها والتكيف مع التحولات المتسارعة وتطلعات الشعوب والأجيال الجديدة.
#مرايا_الدولية



