لبنان

عدنان الأمين… من مستشار إلى «قضية وطنية»..!

حرب: من أوهمك أن التربية ستنهار برحيلك؟

الباحث التربوي منير حرب

١٤ ت١ ٢٠٢٦

يبدو أن المستشار عدنان الأمين قرر أن يحوّل استقالته إلى حدث استثنائي، وكأن وزارة التربية كانت قائمة على كتفيه، وكأن المؤسسات التربوية ستدخل في حداد رسمي إذا غادر مكتبه. كل هذه الضجة تطرح سؤالاً بسيطاً: من أنت يا عدنان الأمين، وما حجمك الحقيقي على المستوى التربوي حتى تتحول استقالتك إلى قضية بهذا الحجم؟

هل نحن أمام خسارة تربوية لا تُعوَّض، أم أمام محاولة لصناعة بطولة إعلامية لم تصنعها الإنجازات؟ فمنصب المستشار، مهما اتسعت دائرة العلاقات المحيطة به، لا يصنع قائداً، والاستقالة لا تتحول تلقائياً إلى وسام شرف، والضجيج لا يعوّض غياب النتائج. فوزارة التربية كانت قبل عدنان الأمين، وستبقى بعده، أما الحكم على قيمة أي مستشار فيكون بما أنجزه، لا بما يثيره من ضجة عند المغادرة.

ولنبدأ من السؤال الذي يبدو أن الإجابة عنه أكثر صعوبة من إعلان الاستقالة: أين كنت عندما ألغى مجلس النواب الامتحانات الرسمية؟ ولماذا لم نسمع لك صوتاً يومها؟ وبغض النظر عن موقفنا مما جرى في المجلس النيابي، أين كانت نصائحك التربوية، وأين كان حرصك على مصير الطلاب؟ لماذا لم نسمع منك موقفاً واضحاً في لحظة تربوية بالغة الحساسية، فيما نسمع اليوم ضجيجاً يتجاوز حجم الحدث نفسه؟ هل كنت مستشاراً للتربية أم مستشاراً للصمت، لا تستيقظ فيه الحماسة إلا عندما تصبح الاستقالة مناسبة لتصدر المشهد؟

ثم نصل إلى السؤال المالي الذي لا يجوز أن يظل خارج دائرة النقاش: كم كنت تتقاضى لقاء استشاراتك؟ أليس المبلغ المتداول آلاف الدولارات شهرياً؟ وعلى حساب اي جمعية واي جهة دولية؟ وخاصة أن الأمين يدعي الشفافية ، وإن كان الرقم غير صحيح، فلتخرج إلى الرأي العام وتوضّح الحقيقة. وإن كان صحيحاً، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا ما الإنجازات التي تحققت مقابل هذا المبلغ، وما المهمات التي أُنجزت، وما الأثر الذي تركته استشاراتك في التعليم الرسمي والإدارة التربوية. نريد نتائج موثقة، لا تعداداً للاجتماعات ولا استعراضاً للمصطلحات والخطط. فالمال العام ليس مكافأة على الألقاب، والاستشارة ليست امتيازاً مالياً بلا مساءلة.

وهنا يبرز سؤال آخر: هل كنت مستشاراً يقدم رأياً ضمن الأصول، أم أنك توهّمت أن موقعك يمنحك سلطة موازية لسلطة الوزارة؟ وهل اعتقدت أن المؤسسات التربوية لا تتحرك إلا بإشارتك، وأن اعتراض الآخرين على رأيك خروج عن النظام؟ يا حضرة المستشار، لست تشرشل ولا هتلر، ووزارة التربية ليست إمبراطورية، والموظفون ليسوا جنوداً في معركة شخصية. أنت مستشار، ومهما اتسع دورك، تبقى مطالباً بتقديم ما يثبت جدوى هذا الدور، لا بإقناع الناس بأن غيابك سيشلّ الدولة.

والآن، هل تعني استقالتك يا عدنان الأمين استقالة زوجتك أيضاً من المركز التربوي للبحوث والإنماء؟ لقد أثار التعاقد مع السيدة فاديا حطيط، زوجتك، ضمن لجنة تقنية في المركز وعلى حساب برنامج S2R2 بمبالغ خيالية، أسئلة مشروعة عن معايير الاختيار وآليات التعاقد. فهل جرى اختيارها وفق منافسة واضحة ومعايير مهنية معلنة؟ وهل كانت مؤهلاتها وحدها أساس الاختيار، أم أن موقعك داخل الوزارة أثّر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في هذا المسار؟ إذا كان كل شيء قد جرى وفق الأصول، فلتُعلن المعايير وتُكشف آلية الاختيار، ولتخضع المسألة للمراجعة المؤسسية. أما أن يستقيل المستشار وتبقى الأسئلة معلّقة، فهذه ليست إجابة، بل محاولة للهروب من جوهر القضية.

وهل تعني استقالتك أيضاً تراجع أقاربك، ومن بينهم شقيقك، عن التقدّم إلى ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية، إذا كانوا معنيين به؟ لا نحكم على استحقاق أي مرشح لمجرد صلة القرابة، لكننا نسأل عن مبدأ لا يجوز أن يخضع للاستثناءات: هل تُدار الملفات الأكاديمية وفق معايير واضحة ومستقلة، أم أن العلاقات المحيطة بأصحاب النفوذ تفتح الباب أمام الشكوك؟ الجامعة اللبنانية ليست إرثاً عائلياً، والتفرّغ ليس مكافأة اجتماعية، والمركز التربوي ليس مساحة امتيازات خاصة. المطلوب ليس اتهامات مجانية، بل شفافية تضع حداً لكل شبهة وتثبت أن الكفاءة وحدها هي المعيار.

أما علاقتك برئيس مجلس النواب نبيه بري، فتستدعي سؤالاً سياسياً لا يجوز تجاهله: من أنت حتى تتعامل مع هامة سياسية ودستورية بهذا الحجم وكأنك في موقع يسمح لك بتوزيع الأحجام والأحكام؟ الاختلاف السياسي حق، والنقد حق، ومساءلة أي مسؤول حق مشروع، لكن لا يحق لأحد أن يحوّل الخلاف إلى تصفية حسابات شخصية أو أن يتصرف وكأنه يمنح الشرعية لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء.

لقد طُرح اسمك في مرحلة تشكيل الحكومة لتولي حقيبة التربية، لكنك لم تصل إليها، وانتهى الأمر بتولي ريما كرامي الحقيبة. ومن هنا يحق للرأي العام أن يسأل: هل انتهى طموحك الوزاري يومها، أم أنك تحاول تعويض عدم وصولك إلى كرسي الوزارة عبر توسيع دورك الاستشاري؟ وهل يمكن فصل ضجيجك الحالي عن الحسابات السياسية التي رافقت تلك المرحلة؟ وهل أصبح عدم وصولك إلى الوزارة جرحاً سياسياً يدفعك إلى خوض معارك تتجاوز حدود موقعك؟ إن كانت لديك إجابات تنفي ذلك، فقدمها بوضوح؛ أما أن تتحول الاستقالة إلى منصة لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، فلن تمنحك شرعية لم تحصل عليها عبر التعيين الوزاري.

والسؤال الأهم يبقى: ماذا أنجزت فعلياً؟ ماذا تغيّر في التعليم الرسمي؟ ما الملفات التي ساهمت في حلها؟ وما النتائج التي يمكن نسب نجاحها إليك بأرقام ووقائع واضحة؟ لا نريد أن نسمع عن حجم نفوذك، بل عن حجم إنتاجك. لا نريد أن نعرف كم شخصاً كان يستمع إلى رأيك، بل ما الذي تحقق نتيجة هذا الرأي. فالمستشار الناجح يترك وراءه مؤسسة أقوى، لا انطباعاً بأن المؤسسة كانت رهينة وجوده.

حضورك وغيابك سيّان إذا لم يكن لوجودك أثر ملموس في تحسين التعليم والإدارة؛ لا تقدّم ولا تؤخّر إذا بقيت المدارس الرسمية على معاناتها، وبقيت الأسئلة عن الإنفاق والتعاقدات والنتائج بلا أجوبة. هذه ليست إهانة لشخصك، بل معيار العمل العام: القيمة تُقاس بالإنجاز، لا بالضجيج، ولا بعدد البيانات، ولا بقدرة صاحب المنصب على تحويل مغادرته إلى معركة إعلامية.

يا عدنان الأمين، استقل كما تشاء، فهذا حقك، لكن لا تطلب من اللبنانيين أن يحوّلوا استقالتك إلى مأتم وطني. أجب عن الأسئلة المتعلقة بكلفة استشاراتك ونتائجها، ووضّح ما أُثير حول التعاقدات والملفات الأكاديمية، ودع المؤسسات تكشف الوقائع وفق الأصول. أما أن تحاول أن تجعل من نفسك محور التربية اللبنانية، فذلك طموح أكبر من أي منصب استشاري.

فوزارة التربية ليست ملكاً للمستشارين، والجامعة اللبنانية ليست ملكاً للعائلات، والمركز التربوي ليس مساحة امتيازات خاصة. وليس كل من جلس في مقعد المستشار أصبح رجل دولة، وليس كل من استقال صار بطلاً.

أما نبيه بري، فليس مطلوباً منه أن يدخل في سجال مع كل من يرفع صوته، فالأحجام السياسية لا تُحدَّد ببيانات الاستقالة، والقيمة التربوية لا تُقاس بمقدار الضجيج.

الخلاصة يا حضرة المستشار: ضجيجك لا يثبت أهميتك، واستقالتك لا تثبت إنجازك. قدّم كشف حسابك، وأعلن نتائج عملك، وأجب عن الأسئلة المشروعة، عندها فقط يستطيع الناس أن يحكموا: هل خسر القطاع التربوي مستشاراً ترك أثراً، أم أن الأمر لا يتعدى مغادرة موظف تضخّم في نظر نفسه أكثر مما تضخّم في نظر المؤسسات؟

المقالة تعبر فقط عن رأي الكاتب.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى