التربوية فداء رشيد علوه
في خضمّ الحملات التي تتناول تعيين الأستاذ جورج داوود مديراً للتعليم الابتدائي بالأصالة، يبدو أن البعض اختار إطلاق الأحكام قبل العودة إلى الوقائع، والتشكيك قبل الاحتكام إلى المعايير، وكأن المطلوب ليس مناقشة الأداء الإداري بموضوعية، بل تحويل كل تعيين إلى مادة للتجاذب وتصفية الحسابات. ومن موقعي التربوي، أرى أن من حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة، بعيداً عن المزايدات والقراءات الانتقائية.
أولاً إن تعيين جورج داوود بالأصالة لم يكن منحةً شخصية ولا قراراً ارتجالياً بل جاء عبر الأصول الإدارية والرسمية المعتمدة. فمرسوم التعيين الذي وقّعه مجلس الوزراء يفترض أن يكون مستنداً إلى توافر الشروط القانونية المطلوبة، ومنها سنوات الخدمة، والمؤهلات العلمية، والفئة الوظيفية، وسائر الشروط ذات الصلة، بما فيها وضع الموظف من ناحية العقوبات والتدابير المسلكية وفق الأصول. وإذا كان لدى أي جهة اعتراض جدي على قانونية التعيين، فلتقدّم مستنداتها إلى المراجع المختصة بدل إطلاق الاتهامات والتشكيك من دون أدلة. أما تحويل التعيين إلى موضع اتهام لمجرد أنه لم يرضِ هذا الطرف أو ذاك، فليس نقداً إدارياً مسؤولاً، بل استهداف لا يخدم التربية ولا الإدارة العامة.
واللافت أن ملف جورج داوود ليس وليد اليوم، ولم يظهر فجأة على طاولة التعيينات. فقد سبق أن سلك مرسوم تعيينه مساراً طويلاً، وتولّى خمسة وزراء تربية سابقين توقيعه، كما حظي بتوقيع ثلاث حكومات، وفق المعطيات المتداولة عن الملف، إلا أن التجاذبات السياسية والمحاصصة حالت دون استكمال مسار توقيعه من رئيس الجمهورية آنذاك. فهل يُعقل أن يُختصر هذا المسار الطويل اليوم بحملة تشكيك، وكأن الرجل وصل إلى موقعه من خارج المؤسسات، أو كأن سنوات الانتظار لا قيمة لها؟ إن تعثّر استكمال الإجراءات في مراحل سابقة لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على عدم الأهلية، كما أن طول الانتظار لا يمنح حصانة من المساءلة؛ المعيار هو القانون والكفاءة والأداء، لا الأهواء السياسية.
أما الحديث عن شغور مواقع إدارية أخرى في الوزارة، ومحاولة تقديم تعيين داوود وكأنه السبب في عدم ملء تلك المواقع، فهو خلط بين ملفات مختلفة. إن لكل موقع وظيفي مساره وشروطه وإجراءاته، ولا يجوز تحميل موظف مسؤولية قرارات لا يملك صلاحية اتخاذها. فإذا كان هناك تأخير في تعيين رؤساء المناطق التربوية أو ملء مراكز إدارية أخرى، فالمساءلة تكون للجهات صاحبة الاختصاص، وعلى أساس الوقائع والقرارات الفعلية، لا عبر تحويل مدير عُيّن وفق المسار الرسمي إلى شماعة لكل شغور إداري في الوزارة.
ثانياً، جورج داوود ليس مديراً يحمل لقباً إدارياً فحسب، بل مسؤولية يومية ثقيلة تتصل بمستقبل المدارس الرسمية. فهو يتولى مديرية التعليم الابتدائي، المعنية بشؤون المدارس الابتدائية والمتوسطة الرسمية في لبنان، وما يرافق ذلك من ملفات تربوية وإدارية ومتابعة لشؤون المدارس والمديرين والمعلمين والتلامذة. ومن يعرف طبيعة العمل داخل الإدارات التربوية يدرك أن هذا الموقع لا ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي، ولا تُقاس مسؤولياته بعدد ساعات الحضور، بل بحجم الملفات التي تحتاج إلى متابعة ومعالجة واتخاذ قرارات.
إن جورج داوود، بحسب ما نلمسه من متابعته لملفات مديريته، لا يغادر مكتبه إلى منزله إلا في ساعات متأخرة من النهار، نتيجة انشغاله بمتابعة الملفات المتراكمة وشؤون المدارس. وهذه ليست مسألة تُطرح للتباهي، بل لتوضيح أن الحكم على الموظف ينبغي أن يستند إلى عمله الفعلي، ومدى التزامه بمسؤولياته، والنتائج التي يحققها، لا إلى روايات مجتزأة أو انطباعات مسبقة.
ثالثاً، لا بد من تصحيح مفهوم العلاقة بين مديرية التعليم الابتدائي والمناطق التربوية. إن مديرية التعليم الابتدائي معنية بملفات قطاع واسع من المدارس الرسمية، ومن الطبيعي أن يكون هناك تنسيق مستمر ومكثف بينها وبين المناطق التربوية، لأن العمل التربوي لا يمكن أن ينجح إذا تحوّلت المديريات والمناطق إلى جزر منفصلة، تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.
ومن هنا، فإن تصوير كل تواصل أو متابعة أو طلب إداري يصدر عن مديرية التعليم الابتدائي على أنه محاولة لفرض سلطة شخصية على رؤساء المناطق التربوية، هو تصوير لا ينصف طبيعة العمل الإداري. فالتنسيق بين الوحدات الإدارية ضرورة، وتبادل المعلومات ومتابعة الملفات مسؤولية، ومناقشة آليات التنفيذ جزء من العمل اليومي. ولا يجوز الخلط بين ممارسة المسؤوليات الوظيفية وبين فرض الوصاية أو تجاوز الصلاحيات؛ فلكل موقع حدوده التنظيمية التي يحددها القانون والأنظمة، والمرجع في أي خلاف إداري هو النصوص النافذة والتسلسل الإداري المعتمد، لا التأويلات الشخصية.
إننا لا ندافع عن شخص فوق القانون، ولا نقول إن أي مسؤول معصوم من الخطأ، لكننا نرفض أن تتحول العلاقة بين الزملاء في الإدارة العامة إلى مادة للتشهير، أو أن يُقدَّم التنسيق الضروري وكأنه صراع على النفوذ. وإذا وُجد تجاوز محدد، فليُذكر بوضوح، وليُدعّم بالوقائع والمستندات، وليُعالج عبر القنوات الإدارية المختصة. أما إطلاق الأحكام العامة، فلا يساعد على تصويب الأداء، بل يسيء إلى بيئة العمل التربوي برمتها.
إن الدفاع عن جورج داوود لا يعني إعفاءه من المساءلة عندما يخطأ، بل يعني رفض إدانته لأن أخذ حقه، كما نطالب أي مسؤول، بأن يُقيَّم على أساس ما يثبت من عمله ومسؤولياته ونتائجه.
وفي الختام، أقول إن جورج داوود موظف تربوي أمضى سنوات في انتظار استكمال مسار تعيينه، ووصل إلى موقعه عبر إجراءات رسمية ينبغي تقييمها وفق القانون، لا وفق الحسابات السياسية. ومن حقه أن يُمنح الفرصة ليعمل، ومن حق المؤسسات التربوية أن تحاسبه إذا ثبت أي تقصير، ومن حق الرأي العام أن يحصل على معلومات موثوقة لا على أحكام جاهزة.
إن التربية الرسمية أكبر من الأشخاص، وأهم من المناكفات، ولا تُبنى الإدارة العامة بتبادل الاتهامات، بل باحترام المؤسسات والصلاحيات، وبالاحتكام إلى القانون والوقائع. فلنترك لجورج داوود أن يُقيَّم بعمله، ولتكن المحاسبة على أساس الأدلة، لا على أساس الحملات. فالموظف لا يُدان لأنه عُيّن، ولا يصبح ناجحاً لمجرد أنه عُيّن؛ بل يُحكم عليه بما يقدّمه من أداء، وما يحققه من نتائج، ومدى التزامه بالقانون.
المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يمثل رأي الموقع
#مرايا_الدولية



