الآراء الواردة هي على مسؤولية الكاتب ولا تعبر عن رأي الموقع
كتب الباحث التربوي منير حرب
٤ ت٢ ٢٠٢٦
يبدو أن وزيرة التربية ريما كرامي قررت أن تجد في موظفي وزارتها شماعة جاهزة لتعليق إخفاقاتها عليها، فبدلاً من أن تطلع اللبنانيين على ما أنجزته، وما حققته للمدارس والأساتذة والطلاب، اختارت أن تفتح النار على الإدارة التربوية وموظفيها، متهمة إياهم بالولاء للأحزاب والطوائف والأشخاص، وبأنهم يشكلون معسكرات وزوايا تقاوم التغيير.
ولأن الكلام الصادر عن وزيرة التربية ليس كلاماً عابراً، بل اتهامات تطاول آلاف الموظفين والمعلمين الذين يفترض أن تكون هي المسؤولة الأولى عن إدارتهم، لا بد من وضع الأمور في نصابها.
أولاً: منذ متى أصبح الانتماء السياسي جريمة في دولة ديمقراطية؟
الأحزاب التي تتحدث عنها الوزيرة ليست تنظيمات سرية ولا مجموعات خارجة عن القانون. إنها أحزاب مرخصة في الدولة اللبنانية، ولها كتل نيابية ووزراء في الحكومات المتعاقبة، وتمثل شرائح واسعة من الشعب اللبناني، بل إن بعضها يحظى بتمثيل شعبي ونيابي يتجاوز بكثير ما تحاول بعض النخب تصويره أو تجاهله.
فهل أصبح الانتماء إلى حزب سياسي لبناني مرخص تهمة تستوجب التشهير بالموظف؟ وهل المطلوب من موظفي الدولة أن يتنكروا لقناعاتهم السياسية حتى يرضى عنهم الوزير؟
المشكلة ليست في انتماء الموظف، بل في أدائه. وليس من حق أي مسؤول أن يحاكم موظفيه على خياراتهم السياسية، وإنما من حقه، بل من واجبه، أن يحاسبهم على التقصير ومخالفة القانون والإخلال بواجباتهم الوظيفية.
ثانياً: اتهام الموظفين بعدم الولاء للمؤسسة اتهام خطير لا يليق بموقع وزاري.
حين تقول الوزيرة إن ولاء معظم الموظفين لأحزابهم وطوائفهم والأشخاص الذين ساهموا في توظيفهم، أكثر من ولائهم للمؤسسة التي يعملون فيها، فهي لا تنتقد أداءً إدارياً محدداً، بل تطلق حكماً عاماً يمس بكرامة موظفي وزارتها وسمعتهم المهنية.
فأين الأدلة؟ وأين الملفات؟ وأين التحقيقات الإدارية التي تثبت هذه الاتهامات؟
إذا كان هناك موظف يعرقل العمل أو يخالف القانون أو يستغل موقعه لمصلحة جهة سياسية، فهناك أجهزة رقابية وقوانين ومسارات إدارية ومحاسبة. أما تحويل آلاف الموظفين إلى متهمين جماعياً، فليس إصلاحاً إدارياً، بل هروب من مسؤولية الإدارة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الوزيرة تتحدث عن موظفين خدموا الوزارة لعقود، وكأنهم اكتشفوا فجأة أنهم لا ينتمون إلى مؤسستهم، وكأن الوزارة كانت تنتظر وصولها حتى تتعلم معنى الولاء للمؤسسة!
ثالثاً: قبل اتهام الموظفين، أخبرينا ماذا قدمتِ لهم؟
منذ عام 2020، والموظف التربوي اللبناني يواجه انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق. تآكلت رواتبه، وتراجعت قدرته الشرائية، وأصبح كثيرون منهم عاجزين عن تأمين أبسط مقومات الحياة، فيما واصلوا الحضور إلى مدارسهم وإداراتهم، وتحملوا أعباء انهيار الدولة، وحافظوا بما استطاعوا على استمرار القطاع التربوي.
هؤلاء الذين تتحدثين عنهم، يا معالي الوزيرة، لحسوا التراب نتيجة الانهيار، وتحمّلوا الإذلال المعيشي والوظيفي، فمن وقف إلى جانبهم؟ وماذا قدمت وزارتك لتحسين أوضاعهم؟ وما هي المعارك التي خضتها لاستعادة حقوقهم وكرامتهم؟
هل كان ينقص الموظف التربوي أن يسمع من وزيرة التربية اتهاماً إضافياً بالولاء للأحزاب والأشخاص، بعدما كفاه ما عاناه من انهيار الرواتب وفقدان الحقوق؟
من يريد إصلاح الإدارة يبدأ بإنصاف موظفيها، لا بتحويلهم إلى متهمين في مقابلة إعلامية.
رابعاً: بأي معيار تتحدثين عن الولاءات والأجندات؟
من حق الوزيرة أن تتحدث عن استقلالية القرار التربوي، لكن من حق اللبنانيين أيضاً أن يسألوا عن طبيعة شبكة العلاقات التي تستند إليها وزارتها، وعن دور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والجهات المانحة في رسم السياسات والبرامج التربوية.
فالوزيرة التي تفتح النار على موظفي الدولة بسبب انتماءاتهم وعلاقاتهم السياسية، لا تستطيع أن تمنح نفسها حصانة من الأسئلة حول علاقاتها بالمنظمات والجمعيات والجهات المانحة، وحول حدود تأثيرها في القرار التربوي.
هل المطلوب أن يكون الموظف اللبناني موضع شبهة لمجرد انتمائه السياسي، بينما تصبح العلاقات مع المنظمات والجهات المانحة عنواناً للتحديث والإصلاح لا يجوز مساءلته؟
نحن لا نرفض التعاون مع الجهات المانحة أو المجتمع المدني، لكننا نرفض أن يتحول ذلك إلى وصاية على القرار التربوي، أو أن يصبح الانتماء إلى مؤسسات خارج الإدارة الرسمية مقبولاً، فيما يُعامل الانتماء السياسي اللبناني المشروع باعتباره تهمة.
خامساً: كفى استهلاكاً لعبارة «كلن يعني كلن».
لقد سئم اللبنانيون هذه العبارة التي تحولت من شعار احتجاجي إلى سلعة سياسية استُخدمت لتسويق وجوه جديدة، وفتح أبواب المناصب أمام من قدموا أنفسهم باعتبارهم البديل النظيف عن الطبقة السياسية.
لكن السؤال الذي لا يريد أصحاب هذا الخطاب الإجابة عنه: ماذا قدمت هذه الشعارات للبنانيين؟ وأين أصبحت الوعود بالتغيير؟ وهل يكفي أن يرفع المسؤول شعار «كلن يعني كلن» حتى يصبح هو خارج دائرة المساءلة؟
إن هذه العبارة لم تعد صك براءة لأحد، ولا شهادة حسن سلوك سياسية، ولا جسراً أبدياً للوصول إلى المواقع الرسمية.
ومن المفارقات أن من يتحدث اليوم عن معسكرات الأحزاب والولاءات، يتصرف وكأن وصوله إلى الوزارة جاء من خارج المشهد السياسي اللبناني، وكأن المنصب الوزاري ليس موقعاً عاماً يخضع للمساءلة والمحاسبة، بل امتياز يمنح صاحبه حق توزيع الاتهامات على الآخرين.
سادساً: مصلحة الطلاب لا تُثبت بالشعارات ولا بافتعال المعارك مع الموظفين.
تقول الوزيرة: «أجندتي ليست مواجهة الموظفين، إنما مصلحة الطلاب».
حسناً، إذا كانت مصلحة الطلاب هي الأجندة الوحيدة، فلماذا تصدر عنك هذه الاتهامات العامة بحق العاملين في الوزارة؟ وهل مصلحة الطلاب تتحقق بتأليب الرأي العام على الإدارة التربوية؟ وهل الإصلاح يبدأ بإعلان الحرب على الموظفين أم بوضع خطة واضحة، وتحديد المسؤوليات، وتطوير المناهج، وتحسين جودة التعليم، وتأمين الاستقرار الإداري والمالي؟
مصلحة الطلاب ليست عبارة تُستحضر عند الحاجة لتبرير كل قرار، بل مسؤولية تُقاس بالنتائج.
الطلاب يحتاجون إلى مدارس مجهزة، ومعلمين منصفين، وإدارة مستقرة، ومناهج متطورة، وامتحانات عادلة، وقرارات تربوية مبنية على العلم والقانون. لا يحتاجون إلى وزيرة تدخل في سجال مفتوح مع موظفي وزارتها، ثم تختتم كلامها بالقول إنها لا تريد مواجهتهم!
وأخيراً، يا معالي الوزيرة…
ليس مطلوباً منك أن تحبي الأحزاب، ولا أن تتوافقي مع خيارات الموظفين السياسية، وليس مطلوباً منك أن ترضي جميع القوى السياسية. المطلوب منك أن تحترمي الدولة التي تمثلينها، والقانون الذي يحكم إدارتها، والموظفين الذين تتحملين مسؤولية إدارة شؤونهم.
إذا كان هناك فساد، فاكشفيه. وإذا كان هناك تعطيل، فحددي المسؤولين عنه. وإذا كان هناك موظفون لا يؤدون واجباتهم، فحاسبيهم وفق الأصول. أما أن تضعي معظم موظفي وزارة التربية في قفص اتهام جماعي، فهذا لا يصنع وزيرة إصلاح، ولا يبني إدارة حديثة.
فالوزارة ليست ملكاً للوزيرة، والموظفون ليسوا جنوداً في معسكرها، والإدارة العامة ليست ساحة لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين.
والأهم من كل ذلك: ليس كل من سبقك إلى الوزارة فاسداً، وليس كل من جاء بعدك مصلحاً، وليس كل من رفع شعار التغيير قدّم تغييراً.
يا معالي الوزيرة، قبل أن تسألي الموظفين لمن ولاؤهم، اسألي نفسك ماذا قدمتِ للمؤسسة التي تتولين مسؤوليتها؟ فالتاريخ الإداري لا يسجل عدد الموظفين الذين اتهمهم الوزير، بل يسجل ما أنجزه الوزير للناس.
#مرايا_الدولية



