دوليروسيا

بولندا تعزز ردعها العسكري بأضخم عرض تاريخي

وارسو تتحسب لمفاوضات واشنطن وموسكو بدون أوروبا

في خطوة تعكس تحشيداً للردع وتأهباً لسيناريوهات استراتيجية وشيكة

شدد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك على أن بلاده تتجه نحو تشكيل أكبر قوة عسكرية برية في القارة الأوروبية، موضحاً أن الاقتدار العسكري أصبح السبيل الوحيد للحيلولة دون وقوع الحرب، ويأتي ذلك وسط هواجس أوروبية متصاعدة من إمكانية صياغة تفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا حول إنهاء الأزمة الأوكرانية بعيداً عن المشاركة الأوروبية الفاعلة.

وتزامن حديث توسك اليوم السبت مع تنظيم وارسو لأضخم استعراض عسكري في تاريخ البلاد، في إشارة صريحة إلى تسارع وتيرة التحديث العسكري لدى هذه الدولة القابعة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”.

وصرح توسك بأن القوات المسلحة البولندية قريبة جداً من أن تصبح الضاربة الأكبر أوروبياً، مشيراً إلى أن بلاده تسير بخطى حثيثة لبناء قوة عسكرية قادرة بحجمها وإمكانياتها التقنية الحديثة على إعادة رسم معالم المستقبلي الاستراتيجي للمنطقة، كما وجه تحذيراً صريحاً يجسد عقيدة الردع مفاده أن “الجهوزية والقوة هما الضمان الوحيد لمنع القتال”.

 تحصين الحدود ومواجهة المخاطر الشرقية

وتكتسب التطورات في البنية الدفاعية البولندية حساسيتها من الموقع الجغرافي المباشر لوارسو على التماس مع بيلاروسيا وإقليم كالينينغراد التابع لروسيا، فضلاً عن قربها الميداني من ساحة المعارك في أوكرانيا.

ولفت توسك إلى أن الشق الشرقي للحدود مع كل من روسيا وبيلاروسيا تحول إلى “خط دفاعي حصين”، معتبراً أن إمكانية اختراقه أصبحت شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

ومنذ بداية الصراع الروسي الأوكراني، وضعت وارسو خطة لزيادة موازنتها الدفاعية بنسب قياسية، بالتوازي مع تحديث شامل لأسلحتها وتطوير سلاحي الجو والبر، لتكرس مكانتها كواحدة من أهم الركائز العسكرية للناتو في الشرق الأوروبي.

وعلى صعيد آخر، أشار رئيس الحكومية البولندية إلى التزام وارسو التام بالحفاظ على التماسك الداخلي للحلف، رافضاً وضع العواصم الأوروبية أمام مفاضلة بين العلاقات الشريكة مع واشنطن وبين الشروع في رفع الكفاءة الدفاعية الذاتية للقارة.

وأوضح أن بلاده لعبت دوراً محورياً لمنع حدوث أي شقاق داخل أروقة الناتو، مؤكداً رغبة وارسو في بناء شراكة “قوية وعملية وذات كفاءة عالية” مع الولايات المتحدة وكندا، جنباً إلى جنب مع حلفائها في القارة الأوروبية.

 قلق أوروبي من التهميش في الملف الأوكراني

وتأتي الاستعراضات العسكرية البولندية في توقيت سياسي بالغ الدقة للقارة، في ظل تحسب أوروبي كبير للمسارات التي قد تتخذها التسوية السياسية لإيقاف الحرب الأوكرانية.

وطبقاً لتقارير إعلامية نقلاً عن صحيفة “نيويورك تايمز”، تبذل دول القارة جهوداً مكثفة لضمان حجز مقعد لها على طاولة المباحثات القادمة، تخوفاً من قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعقد ترتيبات مباشرة مع موسكو حيال الملف الأوكراني من دون التنسيق مع الأطراف الأوروبية.

وفي هذا الصدد، تسعى كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا لتشكيل موقف موحد، بمشاركة متوقعة من الاتحاد الأوروبي وبولندا وإيطاليا ودول الشمال الأوروبي.

وتسلط هذه التحركات الضوء على مخاوف واضحة داخل العواصم الأوروبية من أن يؤدي أي اتفاق ثنائي بين واشنطن وموسكو إلى إرغام القارة على التعايش مع واقع أمني جديد، لا سيما إذا تضمن بنوداً تمس السيادة الأوكرانية أو البنية الأمنية الشاملة لأوروبا.

وتتضاعف حساسيات هذا الملف لدى بولندا تحديداً نظراً لموقعها المواجه للحدود الشرقية للحلف واعتبارها روسيا المصدر الأكبر للتهديدات الأمنية، وهو ما جعل الخطاب السياسي والعسكري لوارسو يزاوج بين مسارين: الرفع المتواصل للقدرات العسكرية الخاصة، والتأكيد على ضرورة حماية متانة التحالف الدفاعي عبر المحيط الأطلسي بين واشنطن وأوروبا.

ومع الضبابية التي تخيم على مآلات الأزمة الأوكرانية، ينطوي المعرض العسكري الأضخم لوارسو على دلالات تتعدى إطارها المحلي، ليوجه رسالة مفادها أن بولندا مصممة على أن تكون صانعاً رئيساً للترتيبات الأمنية القادمة في القارة، وليست مجرد دولة تقع على خطوط المواجهة الأولى.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى