أبدت عواصم أوروبية مخاوف متزايدة من
اندفاع واشنطن نحو اتفاق إطار سريع مع إيران يمنح زخماً سياسياً، لكنه قد يرسّخ جذور الأزمة بدلاً من معالجتها. وبحسب دبلوماسيين غربيين، تخشى دول الاتحاد أن يؤدي السعي الأميركي لتحقيق إنجاز دبلوماسي سريع إلى اتفاق سطحي يخفف العقوبات دون معالجة التعقيدات التقنية للملف النووي، ما يفتح الباب أمام مفاوضات طويلة ومرهقة لاحقاً.
دبلوماسي أوروبي رفيع أكد أن الخشية ليست من غياب الاتفاق، بل من اتفاق أولي سيئ يخلّف مشكلات لا تنتهي. وأوضح أن أي وثيقة مختصرة لا يمكن أن تختزل التعقيدات النووية، إذ إن كل بند يجرّ خلفه سلسلة من الخلافات الفنية والسياسية.
جيرار أرو، كبير المفاوضين الفرنسيين سابقاً، شدد بدوره على أن التفاوض مع إيران «عملية دقيقة لا تحتمل التسرّع»، وأن كل كلمة في النصوص التفاوضية تحمل وزناً سياسياً وأمنياً.
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الإدارة الأميركية ملتزمة باتفاق «يضع الولايات المتحدة أولاً»، فيما أوضح مسؤول رفيع أن الخطوط الحمراء تشمل إنهاء التخصيب، وتفكيك المنشآت الأساسية، واستعادة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى إطار إقليمي لخفض التصعيد.
وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهو مستوى يتيح إنتاج عدة أسلحة نووية إذا رُفع التخصيب. وتطرح طهران خيار خفض التخصيب داخل البلاد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو اعتماد صيغة هجينة تُنقل بموجبها أجزاء من المواد إلى الخارج، مع تداول أسماء تركيا وفرنسا كوجهات محتملة.
لكن حتى هذه الخيارات تتطلب مفاوضات معقدة لاستعادة المواد المدفونة تحت الأرض بعد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، فيما ترفض واشنطن نقلها إلى روسيا، وتعتبر طهران إرسالها إلى الولايات المتحدة خطوة غير مقبولة سياسياً.
الخلاف الأعمق يبقى حول حق التخصيب نفسه، إذ يدعو الجانب الأميركي إلى «تصفير التخصيب»، بينما تتمسك إيران بحقها في الاستخدامات المدنية، وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي. وتُطرح تسوية تقوم على وقف مؤقت للتخصيب ثم استئنافه بمستويات منخفضة جداً مع رقابة صارمة.
اقتصادياً، تركز طهران على تحرير جزء من أموالها المجمّدة سريعاً، فيما يتطلب رفع العقوبات الأوسع دعماً أوروبياً تعتبره إيران أساسياً لاستعادة تجارتها الخارجية. ويرى دبلوماسيون أن الفصل بين الاتفاق الأولي والتفاصيل اللاحقة ينطوي على مخاطر سوء فهم الثقافة السياسية الإيرانية، حيث تُعدّ مسألة التسلسل وتبادل الخطوات النووية والاقتصادية جوهرية في أي اتفاق.
كما تتمسك طهران بضمانات تمنع أي اعتداء مستقبلي عليها، وترى أن ما تبقى من قدراتها الصاروخية يشكل رادعاً لا يمكن التخلي عنه دون ترتيبات أمنية أوسع، وهو ما يعتبره دبلوماسيون غربيون مطلباً غير واقعي في الظروف الحالية.
وفي خضم هذه التعقيدات، أعلن الرئيس الأميركي أن إدارته قدمت «اتفاقاً عادلاً ومعقولاً»، محذراً من أن رفضه سيقود إلى رد عسكري واسع ضد البنية التحتية الإيرانية. كما كشف أن وفداً أميركياً سيتوجه إلى إسلام آباد لاستئناف المفاوضات.
#مرايا_الدولية




