أكد المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، أن
أسمى الأهداف والغايات الوطنية تتجسد في صون الصيغة التاريخية الفريدة التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين في البلاد، معتبراً إياها الغاية الكبرى على الإطلاق.
وفي موقف شديد اللهجة، أوضح الشيخ قبلان عبر بيان رسمي أن الممارسات الإرهابية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في الأنحاء الجنوبية تشكل حرب إبادة شاملة ومطلقة، تطال البشر والمعالم والشجر، بصورة وحشية لم تشهد الحروب والصراعات المعاصرة مثيلاً لها. واستنكر المفتي بشدة سلوك السلطة الحاكمة الحالية، واصفاً تعاملها مع جنوب لبنان وأبنائه وكأنهم ينتمون إلى كوكب آخر بعيد كالمريخ! وأشار إلى أن هذا التغافل المتعمد لا ينبع من مجرد خصومة سياسية أو مصالح عابرة، بل هو نتاج الانخراط في مشاريع أمريكية صهيونية تهدف إلى التهام المنطقة وشعوبها، في ظل استسلام وإصرار من السلطة على هذا المسار المهلك للوطن.
وشدد الشيخ قبلان على أن هذا الواقع المأساوي لا يمكن السكوت عنه أو القبول باستمراره، نظراً لأن المجريات الحالية تفرض تهديداً مباشرةً على كيان لبنان وصيغته ومقومات بقائه. واعتبر أن هذا التدهور يضع الجميع أمام تساؤلات وطنية مصيرية وبالغة الخطورة، حيث تنتهج السلطة الحالية سياسات عقابية وتضييقية خانقة بحق الجنوب وأهله، متجاوزةً حدود الإهمال والنكران إلى تصفية حسابات تتعدى الخلافات السياسية التقليدية، رغم إدراكها أن المنطقة مفتوحة على شتى الاحتمالات الكارثية. ونبه إلى أن المراهنة على لعبة الانتقام لن تؤدي إلا إلى الفشل، وأن التوازنات الحساسة في المنطقة تحيط بها نيران الشرق الأوسط من كل حدب وصوب، مؤكداً أن من يروجون لهذه السياسات يسعون جاهدين للتخلص من الهوية اللبنانية والكيان اللبناني تنفيذاً لالتزامات خارجية مشبوهة. ودعا في هذا الصدد إلى ضرورة الذود عن لبنان، وحفظ وحدته الوطنية، وصيغته المبنية على التوافق، وإحباط أي محاولات لإشعال الفتن الداخلية.
واستطرد المفتي الجعفري الممتاز مبيناً أن المسؤولية تقع الآن على عاتق الشعب اللبناني والقوى السياسية الحية للقيام بدور الإنقاذ الوطني العاجل، خاصةً أن السلطة الحالية تتنكر لمسؤولياتها وتدفع البلاد نحو انقسام حاد يفوق أعتى الخصومات السياسية ضراوةً. ولفت الانتباه إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلهث وراء تحقيق مكسب انتخابي على الساحة اللبنانية وهو بأمس الحاجة إليه، محذراً من وجود أطراف في الداخل تسعى لتقديم هذا الإنجاز له على طبق من ذهب، وعلى حساب المصالح الوجودية العليا للبنان، بالرغم من أن تجربة “اتفاق الإطار” كشفت بوضوح عن حجم الغدر والمكر الصهيوني والأمريكي الصادم، ومع ذلك، لا تزال السلطة الحاكمة – التي تدعي الحرص متهكماً بين قوسين – تتشبث بهذا المسار مدفوعةً بعداء خطير وغير مبرر تجاه شعبها وأهلها وناسها.
ووجه الشيخ قبلان خطاباً مباشرةً إلى السلطة والشعب اللبناني قائلاً: إن لبنان يمتلك تركيبةً شديدة التعقيد وتوازنات بالغة الحساسية، ويقبع في قلب منطقة مشتعلة ومخاض دولي تحيط به النيران، ومن ثم، فإن نجاته مستحيلة دون شراكة وطنية حقيقية وأولويات حكومية تتشارك قضايا الشعب وتاريخه وعقيدته الوطنية. وبناءً على هذه الثوابت، طالب السلطة بالكف فوراً عن سياسات الاستخفاف والاستهتار، والتحرر من عقد الكراهية والحقد التي تستهدف أكثر من نصف مساحة الوطن ونصف الشعب اللبناني، حمايةً لهذا الكيان الفريد والنادر من الضياع. وأوضح أن القراءة التاريخية تثبت أن جنوب لبنان كان ولا يزال الضحية الأولى للمشروع الصهيوني منذ نشأته، مما يعني أنه لا مخرج للأزمة الراهنة دون سلطة سياسية تصيغ قراراتها السيادية بالتوافق التام دون تجاوز التكوين اللبناني. كما شدد على أن الجيش اللبناني بعقيدته الوطنية يمثل ركيزةً وجوديةً لا غنى عنها لحماية البلاد، مشيراً إلى أن قيمة الجيش والمقاومة تنبع من حجم التهديدات الهائلة التي تفوق قدرات لبنان العادية، وبالتالي، يمنع توظيف المؤسسة العسكرية في غير المصالح السيادية والوطنية الخالصة. وفي هذا السياق، أشاد برئيس مجلس النواب نبيه بري، واصفاً إياه بالقدوة الوطنية والعقل العابر للطوائف، والأساس الذي يمكنه إبرام تسوية تاريخية تنقذ لبنان في أدق لحظاته السيادية، معيداً التأكيد على أن الميثاق الإسلامي المسيحي هو الغاية الأسمى على الإطلاق.
وزاد المفتي بالقول إن المرحلة الراهنة تتطلب تعاضداً جدياً، وتضامناً حقيقياً، وتلاقياً صادقاً، وصموداً وطنياً راسخاً، عوضاً عن الاستسلام والعجز وبث سموم الفتن الداخلية. وأشار إلى أن الإجراءات السيادية والقدرات الدفاعية يجب أن تتماشى بدقة مع طبيعة الأخطار الصهيونية المدعومة بلا حدود من واشنطن وحلف شمال الأطلسي الرامية لتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”. وتساءل مستنكراً عن غياب التضامن والقدرات الوطنية القادرة على حماية لبنان وشعبه، مقابل حالة العجز السياسي التي تفرط بالسيادة ومقومات البقاء بطريقة تثير العجب والاستغراب.
وفي ختام بيانه، أكد الشيخ قبلان أن الأنظار والجهود يجب أن تتركز اليوم وغداً وفي المستقبل على صون الوحدة اللبنانية والصيغة التوافقية الشاملة، التي ترتكز أساساً على ميثاقية لبنان، ووحدة أبنائه وشعبه، وقدرة السلطة على تحصين البلاد من المؤامرات والأوراق الخارجية التي تسعى لتمزيق الجغرافيا والتاريخ، وإحراق الميثاق الوطني التأسيسي الذي يجمع شمل الشعب اللبناني.
#مرايا الدولية



