لبنان

هيام إسحاق: قبل أن تُسلَّم أمانة المركز التربوي

أين السيرة العلمية؟ وأين الأبحاث؟ وأين النتائج؟

كتب الباحث منير حرب

يبدو أن وزيرة التربية ريما كرامي وجدت ضالتها في سياسة التمرير بالتقسيط: قرار هنا، ثم انتظار لقياس ردود الأفعال، ثم دفعة جديدة في وقت لاحق، وهكذا تُمرَّر التعيينات بعيداً عن الضجة التي كان يمكن أن تثيرها لو نُفذت دفعة واحدة.

فبعد تعيين مدير التعليم الابتدائي جورج داوود والمدير العام للتعليم العالي مازن الخطيب، تستعد الوزيرة اليوم، وفق ما يتردد في الأوساط التربوية، لتمرير تعيين جديد ليس في مركز عادي، بل في مركز فئة أولى من أخطر المراكز التربوية في لبنان: رئاسة المركز التربوي للبحوث والإنماء، مع طرح اسم الدكتورة هيام إسحاق.

والسؤال هنا ليس شخصياً، بل قانوني وإداري وعلمي: هل تنطبق الشروط المنصوص عليها فعلاً على المرشحة؟

النظام واضح. رئيس المركز يجب أن يحمل دكتوراه في أحد اختصاصات المركز، وأن تتوافر لديه سنوات خبرة محددة بعد الدكتوراه، وأن يكون له إنتاج تربوي من مؤلفات أو أبحاث أو دراسات منشورة. هذه ليست كماليات، وليست ألقابًا للاستهلاك الإعلامي، وليست شهادات يمكن الاكتفاء بالإشارة إليها من دون أن تُعرض على الرأي العام.

لذلك، إذا كانت الدكتورة إسحاق هي فعلًا المرشحة التي ستتولى قيادة المؤسسة الوطنية المسؤولة عن البحث والتطوير والمناهج، فلتُنشر سيرتها العلمية كاملة أمام الرأي العام:

أين أطروحة الدكتوراه؟

أين الأبحاث المنشورة؟

في أي دوريات أو مجلات محكّمة؟

ما هي الدراسات العلمية التي تحمل اسمها؟

ما هو إنتاجها البحثي الذي يبرر تقديمها لرئاسة مركز اسمه مركز البحوث والإنماء؟

والأهم: لماذا تُستخدم ألقاب أكاديمية كبيرة من دون أن تكون قاعدة الإنتاج العلمي المتاحة للرأي العام واضحة وقابلة للتحقق؟

لقد حاولنا البحث، ولم نعثر بسهولة على سجل بحثي واضح يوازي أهمية المنصب الذي يُراد إسناده إليها. وإذا كانت هذه الأعمال موجودة، فالجواب بسيط جداً: لتُنشر الروابط والمراجع والعناوين، وليحكم المختصون.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود السيرة العلمية.

فهناك أسئلة أكبر تُطرح حول إدارة أموال ومشاريع S2R2، وحول اللجان التي تترأسها إسحاق، والتعويضات التي تُصرف للمشاركين فيها، وحجم الأموال التي أنفقت عبر السنوات في مشاريع بحثية وورش ولجان واستشارات، في مقابل سؤال موجع: أين النتيجة الفعلية؟

كم دُفع؟

لمن دُفع؟

ما هي المعايير؟

ما هي المخرجات؟

وما الذي أنجزته هذه اللجان فعلياً على مستوى المناهج؟

لا يكفي إنتاج فيديوهات وثائقية تُعرض في الاحتفالات والورش لتقديمها على أنها إنجاز تربوي. المركز التربوي ليس شركة إنتاج، والمناهج لا تتغير بالشعارات، والبحوث ليست صوراً جماعية بعد انتهاء الورشة.

إذا كانت ملايين الدولارات قد صُرفت فعلاً عبر السنوات على تحديث المناهج والدراسات والأبحاث والمشاريع، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: أين المنهج الجديد؟ أين الأثر؟ أين النتائج التي توازي حجم الأموال المنفقة؟

وهنا تعود الكرة إلى ملعب الوزيرة ريما كرامي.

إذا كانت تريد تعييناً نظيفاً، شفافاً، قائماً على الكفاءة، فلتفعل شيئاً بسيطاً: لتعلن أسماء جميع المرشحين، وسيرهم الذاتية، وشهاداتهم، وأبحاثهم المنشورة، وسنوات خبرتهم، ثم تبيّن للرأي العام لماذا اختارت هيام إسحاق تحديداً.

أما التعيينات التي تأتي دفعة وراء دفعة، وبالقطارة، وبين مرحلة وأخرى انتظار لقياس الضجيج السياسي والإعلامي، فهي تفتح الباب واسعاً أمام الشك بأن المنهج ليس بناء إدارة تربوية متكاملة، بل تمرير أسماء معدّة سلفاً

المفارقة أن مراكز عديدة من الفئة الثانية ما زالت شاغرة، من مدير التعليم الثانوي إلى رؤساء المناطق التربوية، بينما يبدو أن الأولوية اليوم تتجه إلى تثبيت أسماء بعينها في المراكز الحساسة.

إن أرادت الوزيرة تعيين هيام إسحاق، فلتكن شجاعة أمام الرأي العام: الوثائق أولاً، السيرة العلمية أولاً، الإنتاج البحثي أولاً، التدقيق المالي في المشاريع واللجان أولًا، ثم التعيين.

أما تحويل المركز التربوي إلى جائزة ترضية، أو مكافأة سياسية، أو موقع نفوذ فوق المحاسبة، فذلك ليس إصلاحاً للتربية، بل استمرارٌ للكارثة نفسها التي أوصلت التربية اللبنانية إلى ما هي عليه.

المركز التربوي للبحوث والإنماء يحتاج رئيسًا يملك سجلاً يمكن فحصه، لا لقبًا يتردد في الممرات. ويحتاج إنجازات يمكن قياسها، لا فيديوهات احتفالية. ويحتاج إدارة يمكن محاسبتها على كل دولار، لا لجاناً تتكاثر فيما المنهج نفسه يبقى أسير الأدراج.

والسؤال الذي لا تستطيع ريما كرامي ولا هيام إسحاق الهروب منه هو:

إذا كان الاختيار قائماً على الكفاءة، فلماذا الخوف من كشف كل شيء؟

انشروا السيرة. انشروا الأبحاث. انشروا المعايير. انشروا كلفة اللجان ومخرجاتها. ثم عيّنوا من يستحق.

وإلا، فسيبقى كل تعيين جديد نسخة أخرى من التمرير… ولو حاولوا تمريره على دفعات.

#مرايا_الدولية

المقال يعبر عن رأي الكاتب والموقع لا يتحمل أي مسؤولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى