دولي

عندما تعود الدبلوماسية إلى المشهد

هل ينتصر العقل على التصعيد؟

الكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر

صرح مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية يوري أوشاكوف، 25 أكتوبر الجاري، بأن ثمة استعدادات للقاء ثلاثي بين الرؤساء الروسي والصيني والأمريكي قد بدأت.

لم يحدد أوشاكوف أي موعد أو جدول أعمال لكنه قال إن الأطراف الثلاثة مستعدة للقاء من حيث المبدأ، والمقترح المطروح هو عقد اللقاء على هامش قمة “أبيك” في الصين يومي 18-19 نوفمبر المقبل.

وفي تطور لافت، أجرى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوري اتصالاً هاتفياً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم أمس 27 أكتوبر، وقد استمرت المحادثة 90 دقيقة (وفقاً لتقرير “رويترز”)، وجرت بمبادرة من الجانبين الفنلندي والنرويجي وبالتشاور مع أوكرانيا.

وتركز الاتصال على الحرب الأوكرانية والجهود الدبلوماسية لإنهائها، في ارتباط واضح بالتحضيرات لاستئناف المفاوضات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا في أبو ظبي، والمزمعة أيضاً في نوفمبر المقبل.

وبينما شدد ستوب وستوري على “ضرورة إنهاء الحرب وخفض التصعيد”، أكدت موسكو مجدداً على موقفها الواضح والثابت على أن أي سلام طويل الأمد ينبغي أن ينطلق من الأسباب الجذرية للأزمة وأن يراعي المصالح الأمنية الروسية.

كذلك نشرت وكالة الأنباء القطرية بياناً عن لقاء أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم أمس 27 أكتوبر جاء فيه أن الزعيمين بحثا تطورات الشرق الأوسط وتعزيز الأمن والاستقرار، كما تناول اللقاء سلاسل إمدادات الطاقة ومضيق هرمز. كذلك أكد الرئيسان أن أمن المنطقة يتطلب قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

بالتزامن جرى تحرك دبلوماسي مشترك للدول الثلاث الموقعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك: السعودية وتركيا وباكستان لعقد مباحثات أمنية مباشرة مع إيران وسط تصاعد إقليمي واسع، حيث قام كل من وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان والمشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم قالن بزيارة إلى طهران، 26 أكتوبر الجاري.

وقد استقبل وفد الدول الثلاث من الجانب الإيراني الرئيس مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي.

وقد ناقش الوفد إمكانية فتح مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك بناء شبكة تفاهمات إقليمية تمنع دول المنطقة من الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وتتيح معالجة الخلافات من خلال آليات أمنية إقليمية.

كذلك تضمنت النقاشات، بطبيعة الحال، ملف حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية، وقد عرضت طهران وجهة نظرها التي تربط ما بين بحث الملف النووي بتلبية مطالبها بإنهاء الحصار الأمريكي على موانئها ورفع العقوبات على صادرات النفط الإيرانية.

وقد أثيرت في الاجتماعات كذلك قضايا فلسطين ولبنان وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

كذلك نشرت “رويترز” أنباء عن تقدم قطر لمسودة مقترح لاتفاق جديد لتسوية النزاع مع الولايات المتحدة خلال محادثات ثنائية جرت في طهران 25 أكتوبر عبر وسطاء قطريين، وتعكف طهران حالياً على دراسة المقترح القطري ومن المنتظر تقديم رد عليه بحلول نهاية الأسبوع الجاري.

لا شك أن ما يجمع هذه التحركات، على اختلاف أطرافها وساحاتها هو محاولة إعادة فتح قنوات الاتصال المباشر في لحظة تتزايد فيها مخاطر التصعيد.

فمن لقاء دولي ثلاثي لا يزال قيد الإعداد بين بوتين وشي جين بينغ وترامب، إلى اتصالات مباشرة بين بوتين وستوب وستوري بشأن أوكرانيا، وصولاً إلى وساطات إقليمية حول إيران واليمن وأمن الخليج، تتعدد المسارات التي تبحث عن مخرج سياسي حقيقي وواقعي للأزمات القائمة، وهذا المخرج يحمل عنواناً أساسياً هو: الأمن غير القابل للتجزئة.

نتحدث عن أمن الجميع دون الخصم من أمن أحد، وعن الاعتراف بمخاوف وحقوق الجميع وعلى رأسها وفي مقدمتها الحق في الأرض والعودة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وإدراك والاعتراف بفشل المخطط الغربي لاحتواء روسيا وتفتيتها وإضعافها و”هزيمتها استراتيجيا” في أوروبا.

لكن من المهم أيضاً ألا نخلط بين عودة الدبلوماسية ونجاحها، فالاتصالات لا تعني أن الخلافات قد اختفت، كما أن المقترحات لا تعني أن الأطراف قد وافقت عليها، والاجتماعات لا تضمن وحدها خفض التصعيد أو وقف إطلاق النار.

لا زالت الأطراف تتبنى مواقف بعيدة عن بعضها البعض سواء بشأن أوكرانيا أو البرنامج النووي الإيراني، ناهيك عن الصراع العربي الإسرائيلي.

ومستقبل الترتيبات الإقليمية لا تزال متباعدة، ويرتبط بعضها بصراعات أعمق من أن تحسمها بضع مبادرات.

لكن زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران في ظل الظروف الراهنة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك المسؤولية الرفيعة التي تتحلى بها المملكة العربية السعودية في ظل تصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط، وهو مؤشر على المسار الصحيح الذي يجب تنخرط فيه كل أطراف الأزمة.

تزامن كل هذه التحركات يطرح سؤالا يستحق التأمل: هل بدأت الأطراف المعنية تدرك أننا على حافة كوارث عالمية ستطال الجميع؟ وهل بدأت تلك الأطراف تدرك أن استمرار التصعيد يرفع كلفة الصراع على الجميع، وأن الأمن لا يمكن أن يقوم على التهديد المتبادل وحده؟ وهل تستطيع القوى الإقليمية بناء آليات للحوار والتفاهم تحد من الاعتماد الكامل على تدخل القوى الكبرى، وتمنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟

ربما لم ينتصر العقل على التصعيد بعد، لكن هذه الاتصالات والمبادرات والجهود المحمودة والمحاولات لاحتواء الأزمة القابلة للاشتعال في أي لحظة، وتعدد قنوات الحوار، واتساع نطاق الوساطات، وعودة الاتصالات المباشرة بين أطراف متخاصمة، كلها مؤشرات على دبلوماسية لم تفقد مكانها في إدارة الأزمات الدولية.

يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة هذه المبادرات على الانتقال من التصريحات والاجتماعات والمؤتمرات الصحفية والصور التذكارية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ قائمة على تنازلات متبادلة وموائمات صعبة ومؤلمة تهدف دائماً إلى الحفاظ على الأرواح والممتلكات والوقف الفعلي للحروب وتأسيس أمن أكثر استقراراً واستدامة

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى