العراقايران

في حضرة الحسين تسقط الألقاب

كربلاء ضمير حي يمتد عبر الزمن

بقلم نازك محمد

هناك لحظات لا يعود فيها للمنصب بريقه ولا للسلطة هيبتها، لحظات يقف فيها الإنسان مجرد إنسان أمام فكرة أكبر منه، وأمام تاريخ لا يُقاس بعدد الألقاب ولا بثقل المناصب.

في كربلاء، لم يصنع الحسين عليه السلام ثورة من أجل حكم أو مكسب عابر، بل صنع ضميراً حياً يمتد عبر الزمن، ضميراً يجعل الإنسان يعيد النظر في معنى القوة والكرامة والشرف. فمن فهم الحسين، أدرك أن العظمة لا تكمن في الجلوس على المقاعد العالية، بل في القدرة على النزول عنها حين يستدعي الموقف تواضعاً واحتراماً.

في بعض اللحظات، تتراجع المناصب إلى الخلف، وتبقى القيم وحدها في الواجهة. فالمشهد لا يختصر رجلاً يجلس على الأرض بقدر ما يختصر فكرة كاملة؛ فكرة أن هناك مواقف تعجز الألقاب عن التعبير عنها، وأن هيبة التاريخ قد تكون أعظم من هيبة السلطة.

مسعود بزشكيان، الطبيب الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يدخل عالم السياسة من بوابة العسكر أو المال، بل من بوابة الطب والجامعة والعمل العام. وربما لهذا السبب ما زال يحمل في نظرته شيئاً من هدوء الطبيب الذي يعرف أن الإنسان، مهما علت منزلته، يبقى صغيراً أمام الألم الإنساني الكبير.

في حضرة الحسين تسقط الألقاب

إن بعض المشاهد تختصر آلاف الكلمات؛ مسؤول يترك مكانته جانباً، ورجل دولة يجلس على الأرض احتراماً لمصيبة عمرها قرون، وكأن الرسالة تقول إن القيم الحقيقية لا تنحني أمام السلطة، بل إن السلطة نفسها تنحني أمامها.

لقد علمتنا كربلاء أن الإنسان قد يملك المال والنفوذ والجاه، لكنه يبقى فقيراً إن خسر ضميره، وأن اليد التي تمتد إلى الحق يجب أن تكون نظيفة، والقلب الذي يقف أمام المقدسات يجب أن يكون مفعماً بالخوف من الله قبل الخوف من الناس.

الحسين لم يكن قائداً لمعركة انتهت في يوم عاشوراء، بل كان قائداً لثورة مستمرة داخل النفس البشرية؛ ثورة تدعو الإنسان إلى أن ينتصر على شهواته، وأن يختار المبدأ حين يتصارع مع المصلحة، وأن يتذكر دائماً أن المناصب زائلة، أما المواقف فتبقى خالدة في ذاكرة التاريخ.

فليس كل من جلس على كرسي أصبح عظيماً، ولكن العظيم حقاً هو من يعرف متى يغادر كرسيه ليجلس متواضعاً أمام الحقيقة .

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى