في مناسبة أسبوع الوحدة وذكرى ولادة الرسول الأكرم والإمام الصادق، وجّه قائد الثورة الإسلامية آية الله السيّد مجتبى الخامنئي رسالة مطوّلة حملت رؤيةً شاملة لمعنى الوحدة ودورها في نهضة الأمّة.
افتتح رسالته بتهنئة الشعب الإيراني والأمّة الإسلامية بذكرى ميلاد النبيّ الأكرم، الذي وصفه بأنّه النَيِّر الأعظم والسراج المنير وصفوة الخلق، وبميلاد ولده الطاهر الإمام جعفر الصادق، مؤكداً أنّ إشراق وجود النبيّ في مكّة كان نقطة تحوّل في مسار البشرية، إذ أضاء أفق السعادة وملأ أرواح الأنبياء والملائكة بالبهجة، فيما أثار الغيظ في نفوس شياطين الإنس والجن.
ورأى الخامنئي أنّ نزول النبيّ إلى العالم الترابي، متوشّحاً بخلعة النبوّة والخاتمية ومعتصماً بالقرآن العظيم، شكّل بداية مسارٍ جديد لقافلة الإنسان نحو العبودية والتكامل الإلهي.
وأشار إلى أنّ سيرة الرسول وأوصيائه المعصومين زاخرة بالدروس في الهداية والمعرفة والمحبّة، وفي العقيدة والجهاد، وفي الأخلاق الفردية والاجتماعية، وفي الأمانة والصدق والعزّة والكرامة، وفي العلم والعمل والرحمة والحزم والقسط والعدل والوحدة والأخوّة، مؤكداً أنّ حسن تلقّف هذه الدروس والعمل بها يجعل بلوغ قمم السعادة أيسر للبشر أيضاً.
وشدّد الخامنئي على يقينٍ راسخ بأنّ الروح الطاهرة لنبيّ الرحمة، وكذلك أرواح أوصيائه وحجج الله، ترعى شؤون المسلمين بالهداية والشفقة، وأنّ خطأ المسلمين يؤلمه، بينما يسرّه التزامهم بتعاليمه.
واعتبر أنّ الإسلام، بعد عصورٍ عصيبة ومنعطفات كثيرة، بلغ اليوم مرحلة مصيرية، وأنّ المسلمين قادرون على أداء دورٍ صانعٍ للتاريخ، إذ أصبحت آفاق الغلبة النهائية للحق على الباطل أقرب إلى التحقّق العيني من أيّ وقتٍ مضى.
ورأى أنّ الشرط الأوّل لتحقيق هذا التحوّل هو وحدة كلمة المسلمين، فهي ليست مسألة سطحية بل استراتيجية قرآنية أصيلة.
وأوضح أنّ المقصود بالوحدة هو جعل النقاط المشتركة محوراً عاماً للمجتمعات الإسلامية، مع السعي لتحويل نقاط التمايز إلى نقاط اشتراك بروحٍ من السلم والصفاء، وفق تعاليم القرآن.
واستشهد بالآية: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، معتبراً أنّها أصلٌ يجب أن يكون محور الفكر والعمل في مواجهة الكفر العالمي، وأنّ الابتعاد عن هذا الأصل يبعد المسلمين عن مقام العزّة.
وتطرّق الخامنئي إلى تاريخ أسبوع الوحدة الذي طُرح لأول مرّة عام 1356 هجري شمسي خلال نضال الثورة ضد النظام البهلوي، و لاحقاً اكتسب صفة رسمية بعد انتصار الثورة بقرار الإمام الخميني.
وأكد أنّ الوحدة أصبحت نموذجاً ناجحاً في إيران رغم دسائس الأعداء، الذين يسعون دائماً لإبراز الخلافات العقائدية والمذهبية والعرقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية، بهدف تمزيق الأمّة الإسلامية وإضعاف قواها، مستشهداً بالآية: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
وحذّر من أنّ أيّ عملٍ يثير الفرقة بين المسلمين، سواء عن قصد أو جهل، يحقّق مآرب أعداء الإسلام، متسائلاً كيف يمكن تبرير ذلك بالجهل في زمنٍ كشف فيه طواغيت العالم، وفي مقدّمتهم أمريكا، عن وجههم الحقيقي ومخطّطاتهم الاستعمارية والاستكبارية.
ودعا المسلمين إلى التفكير بدقّة في الأحداث، متسائلاً: لو كان المسلمون يداً واحدة، هل كان الشعب الفلسطيني سيغدو أعزل أمام جرائم المحتلّين؟ وهل كانت شعوب الخليج ستواجه أطماع الغرب لو أقامت اتحاداً تحت راية الإسلام؟وجدد توصيته لحكّام البلدان الإسلامية، خصوصاً في غرب آسيا ودول الخليج، بأن يعرفوا عدوّهم الحقيقي ويدركوا مخطّطاته ويتصدّوا له.
وأكد أنّ علاج مشكلات الأمّة يكمن في الوحدة والصداقة والتعاون، وأنّ حكّام أمريكا والكيان الصهيوني هم أعداءٌ لهذه الوحدة، لا للشعب الإيراني وجبهة المقاومة فحسب، بل للأمّة الإسلامية كلّها، بما فيها شعوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، وحتى حكّام تلك الدول الذين يتعاون بعضهم معهم، مستشهداً بإهاناتٍ علنية صدرت عن قادة الاستكبار بحقّ بعض قادة الدول الإسلامية.
وبيّن أنّ الدرس الأوّل في مدرسة الإسلام هو الاتحاد ونبذ التنازع، والدرس الثاني هو الدفاع المتبادل في مواجهة الكفر، والثالث هو التعاون وتضافر الطاقات في شؤون الحياة المادية والمعنوية، من الثروة والأمن والعلم والتقدّم، وهو المسار الذي يقود إلى بناء الحضارة الإسلامية الجديدة.
وأكد أنّ الوحدة هي حجر الزاوية لهذه الحضارة، وأنّ هذه الرؤية تحقّقت بدرجة مقبولة في إيران، داعياً الشعب الإيراني إلى عدم السماح بظهور أيّ خلاف بينهم أيضاً.
وختم الخامنئي بالدعاء أن تسود الرحمة والبركة الإلهية المجتمعات الإسلامية، وأن ترتقي يوماا بعد يوم في سلّم التقدّم والعزّة في ظلّ تطبيق التعاليم الإلهية.
#مرايا_الدولية




