لبنان

إبعدوا الحكومة اللبنانية عن التفاوض

المقاومة تراهن على معادلة القوة لفرض شروطها

كتب علي شفيق مرتضى

٨ آذار ٢٠٢٦

خمسة عشر شهراً مرّت على اندلاع المواجهة بين لبنان و”إسرائيل”، وخمسة عشر شهراً لم يلتزم فيها العدو بأي وقفٍ حقيقي لإطلاق النار. خلال هذه الفترة الطويلة، اختارت المقاومة نهج الصبر وضبط النفس، فكانت تبتلع أوجاعها وتشيّع شهداءها بصمت، وقد تجاوز عددهم الخمسمئة شهيد.

كان هذا الصمت مقصوداً، إفساحاً في المجال أمام الجهود الدبلوماسية التي قيل إنها تسعى لوقف العدوان وإعادة الاستقرار إلى الجنوب ولبنان وخروج المحتل وإعادة الاسرى والإعمار.

لكن في المقابل، كانت البيئة الحاضنة للمقاومة تطرح سؤالاً صريحاً: إلى متى يستمر هذا الصبر؟ فالبيئة الخاصنة كانت تتعرض للاستهداف المستمر، والأراضي اللبنانية ما زال جزء منها تحت الاحتلال، فيما الأسرى اللبنانيون لم يعودوا إلى وطنهم وممنوع إعادة الاعمار وحتى العودة الى القرى الإمامية بات من المحرمات التي أرساها العدو.

لذلك ارتفعت الأصوات المطالبة بفتح الجبهة بشكل أوسع لتغيير المعادلة المفروضة على لبنان مهما كانت التضحيات.

في لحظة إقليمية معقدة، رأت المقاومة أن انشغال “إسرائيل” بحربها الإقليمية مع إيران يشكل فرصة استراتيجية. فرصة للرد على خمسة عشر شهراً من الاستهدافات والتغطرس، وفرصة أيضاً لفرض حضور لبنان في أي معادلة إقليمية قادمة.

فالتجارب السابقة أثبتت أن التسويات الكبرى في المنطقة لا تتم إلا عندما يفرض كل طرف وزنه على طاولة التفاوض.

من هذا المنطلق، لم يكن قرار التصعيد مجرد رد فعل عسكري، بل خطوة سياسية أيضاً. فالمقاومة تدرك أن أي تفاوض إقليمي مع إيران لن يكون بعيداً عن لبنان، وأن موقع لبنان في تلك المعادلة يتحدد بقدر ما يمتلك من عناصر قوة على الأرض.

في المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية، وعلى رأسها رئيسها نواف سلام وبعض القوى اللبنانية المناهضة لفكر المقاومة تدفع في الاتجاه نفسه ، في سباق مع الوقت للوصول إلى تفاوض سريع ينهي الإقتتال ، حتى ولو جاء ذلك على حساب لبنان وكرامته الوطنية. والسبب واضح بالنسبة لكثيرين: فهم يدركون أن خروج المقاومة من هذه الحرب في موقع المنتصر سيشكل ضربة كبيرة لكل الخطاب السياسي الذي بنوه طوال السنوات ال ١٥ عشرة شهراً بوجوب التخلص من سلاح المقاومة.

الأهداف التي تعلنها المقاومة تبدو، في ظاهرها، أهدافاً طبيعية لأي دولة أو شعب يتعرض لاعتداء: وقف إطلاق نار حقيقي يلتزم به العدو، انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى والإعمار .

غير أن تحقيق هذه الأهداف قد يقلب المشهد السياسي الداخلي رأساً على عقب، لأن نجاحها سيعزز موقع المقاومة ويضعف خطاب أولئك الذين لا يشغلهم سوى مطلب نزع سلاحها.

لذلك يرى كثيرون أن مسار التفاوض في هذه المرحلة مسألة شديدة الحساسية. فإدارة التفاوض من قبل حكومة متهمة سياسياً بالاستعجال أو بتقديم التنازلات قد يؤدي إلى اتفاق يولد ضعيفاً، أو ما يصفه البعض بـ”اتفاق الذل”. ولهذا ترتفع الأصوات المطالبة بإبعاد الحكومة وفريقها عن هذا المسار لأنها لن تجلب إلا العار ل لبنان.

في المقابل، يطرح البعض خيار ترك ملف التفاوض بيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره يمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات التفاوضية الحساسة، إضافة إلى موقعه السياسي الذي يسمح له بالتواصل مع مختلف الأطراف الداخلية والخارجية ورأس حربة في العمل المقاوم.

بين صبر الميدان ولهاث السياسة، يقف لبنان مرة جديدة عند مفترق طرق، فإما أن تتحول تضحيات الأشهر الماضية إلى قوة تفاوضية تحمي السيادة والكرامة الوطنية ، أو تضيع في دهاليز التسويات السريعة والضغوط الدولية. والتاريخ في هذه المنطقة يثبت دائماً أن من يملك أوراق القوة على الأرض هو من يحدد شكل السلام في النهاية.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى