شخّص وزير الثقافة السابق، القاضي محمد وسام المرتضى
الجذور الحقيقية للملف اللبناني المعقد، مؤكداً أن معضلة البلاد تتخطى التدابير المالية والإدارية والأطر الدستورية، لتنغرس في عمق أزمة الوعي والبوصلة المرجعية؛ إذ شدد على أن الأداء السياسي ليس إلا انعكاساً مباشراً للرصيد الثقافي المتحكم بالمجتمع، وأن التخبط في الرؤى الموحدة يؤدي حتماً إلى اضطراب القرار ورسوخ الانقسامات الخاطرة.
وقد وردت هذه التصريحات الحازمة خلال حفل توقيع كتاب «لأن الثقافة حياة»، الصادر عن الشيخ وسام سليقا، رئيس الجهاز الثقافي بمجلس طائفة الموحدين الدروز المذهبي، والذي احتضنه مقر الجمعية الإسلامية للتخصص العلمي بمنطقة الجناح، وسط حشد واسع من الفعاليات السياسية، والدينية، والأمنية، والنخب الفكرية.
ونبه المرتضى إلى أن الأزمة اللبنانية لا تقتصر على الهشاشة الاقتصادية أو الإدارية أو التباينات الدستورية، ولا على محاذاة كيان غاضب أُنشئ ليكون منبعاً مستمراً للعدوان والمساس بالحقوق، بل تتمحور بالأساس حول اضطراب المرجعية وغياب الغايات الوطنية الجامعة.
وبيّن القاضي المرتضى أن تداعي الضوابط الثقافية يولد اختلالاً مستمراً في صناعة القرارات السياسية، حيث يتحول الاختلاف الطبيعي في ظل انعدام المبادئ المشتركة إلى شقاق وتشرذم، وهو ما يفسح المجال واسعاً أمام مساعي الاحتلال وتقويض السيادة الوطنية، لينتهي الأمر بالبلاد إلى مآزق وجودية تشبه ما يخوضه لبنان حالياً.
وطالب المرتضى بالعمل السريع على إرساء مفهوم ثقافي وطني شامل يتجاوز الانعزالية دون إغفال التنوع؛ بحيث ينصهر الجميع في قالب المواطنة الحقيقية، مُعرِباً عن ضرورة تقديم الفرد على الانتماء الفئوي، وتغليب مؤسسات الدولة على الأطماع، وإعلاء الحق فوق المحسوبيات، وترسيخ المبادئ قبل المنافع الضيقة.
وعلى هذا الصعيد، حثّ الطبقة السياسية على انتهاج رؤية ثقافية متجددة في إدارة ملفات الوطن، تقوم على النظر إلى اللبنانيين كنسيج واحد تتكامل آلامهم وتتحد آمالهم بغض النظر عن طوائفهم ومشاربهم.
واستطرد موضحاً أن رجل السياسة الحقيقي هو من يكرس جهده للم الشمل وترسيخ الألفة بين أبناء الوطن، بعيداً عن تأجيج الخلافات وتعميق التوجس، مؤكداً أن موقع المسؤولية ما هو إلا تكليف وأمانة أمام الله والمجتمع والتاريخ، وليس امتيازاً شخصياً أو وساماً للوجاهة.
واختتم القاضي كلمته بالتشديد على أن مسار صون الوطن يتطلب تقديم المصلحة العليا على الحسابات الظرفية الضيقة، وجعل السيادة خياراً راسخاً لا شعاراً مفرغاً، مع الحفاظ على كرامة اللبنانيين ومستقبل أجيالهم كخط أحمر غير قابل للتفاوض أو المساومة مطلقاً.
#مرايا_الدولية



