بقلم: الباحث التربوي منير حرب
١٥ ت١ ٢٠٢٦
يبدو أن وزارة التربية في عهد ريما كرامي لم تعد وزارةً تُدار وفق حاجات الإدارة العامة وأولوياتها، بل باتت أقرب إلى ورشة تعيينات انتقائية، تُملأ فيها بعض المواقع فيما تُترك مواقع أخرى شاغرة، وكأن المطلوب ليس انتظام المرفق العام، بل صناعة مراكز نفوذ لأشخاص بعينهم. وفي قلب هذه المشهدية يبرز اسم جورج داوود، الذي نال التعيين بالأصالة مديراً للتعليم الابتدائي، فيما لا تزال مواقع إدارية أساسية في الوزارة تنتظر من يتولى مسؤولياتها، من رئاسة المناطق التربوية إلى مديرية التعليم الثانوي ودائرة الامتحانات وغيرها من المواقع الشاغرة.
والسؤال الذي يفرض نفسه على الوزيرة ريما كرامي ليس معقدًا: هل تُدار التعيينات وفق حاجة الوزارة، أم وفق خريطة جغرافية وسياسية وإدارية ضيقة؟ كيف يمكن تبرير الإسراع في ملء بعض المواقع، فيما تُترك رئاسات المناطق التربوية شاغرة في بعلبك ـ الهرمل، والنبطية، والجنوب، وجبل لبنان، وبيروت، والشمال؟ وكيف يُفهم تعيين رئيس للمنطقة التربوية في عكار، بالتزامن مع تعيين داوود بالأصالة، فيما تبقى مواقع أخرى بلا رؤساء أصيلين، رغم أهميتها المباشرة في إدارة المدارس ومتابعة شؤونها؟
إن هذا الانتقائية تفتح الباب أمام شبهة المحاباة المناطقية، وتفرض على الوزيرة تقديم تفسير واضح للرأي العام. فالإدارة العامة ليست دفتر محسوبيات، والتعيينات ليست جوائز ترضية، والمواقع الوظيفية ليست قطعًا في رقعة شطرنج تحرّكها الوزيرة متى شاءت ولمن تشاء. وإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فلتشرح لنا الوزارة كيف وُضعت الأولويات، وعلى أي أساس جرى ملء هذه المواقع دون سواها.
جورج داوود… هل أصبح مديراً للتربية أم مديراً على المديرين؟
المشكلة مع جورج داوود، وفق ما يُتداول عن ممارساته الإدارية، لا تتوقف عند التعيين، بل تمتد إلى طريقة تعاطيه مع المناطق التربوية. إذ يبدو، بحسب هذه الانتقادات، أنه يتعامل مع بعض رؤسائها بفوقية، وكأن تعيينه مديرًا للتعليم الابتدائي منحه سلطة رئاسية مطلقة عليهم، متجاوزاً حدود الموقع الإداري الذي يشغله.
وهنا لا بد من وضع الأمور في نصابها: إن مديرية التعليم الابتدائي والمناطق التربوية وحدات إدارية تخضع للمديرية العامة للتربية وفق الأصول التنظيمية، ولا يجوز تحويل موقع مدير التعليم الابتدائي إلى سلطة موازية تفرض الوصاية على رؤساء المناطق التربوية، أو تتعامل معهم بمنطق الرئيس والمرؤوس خارج التسلسل الإداري المعتمد.
فمن أعطى جورج داوود حق التصرف وكأنه المرجعية العليا للمناطق التربوية؟ ومن أوحى له بأن التعيين بالأصالة يمنحه امتيازًا في التعامل مع زملائه، أو يتيح له تجاوز المرجعيات الإدارية المختصة؟ وهل باتت قيمة الموظف تُقاس بالفئة الوظيفية التي يشغلها، لا بصلاحيات الموقع وحدوده القانونية؟
إن الفئة الوظيفية ليست صكّاً للتعالي، والتعيين بالأصالة ليس تفويضًا مفتوحاً لإعادة رسم الهيكل الإداري على قياس صاحبه. فالمدير الناجح هو الذي ينسّق ويتعاون ويحترم الصلاحيات، لا الذي يستعرض موقعه في مواجهة إدارات يفترض أن تعمل معه ضمن منظومة واحدة.
والأخطر أن إبقاء رئاسات المناطق التربوية شاغرة، بالتزامن مع تثبيت مواقع أخرى، يطرح سؤالًا جدياً حول ما إذا كان هذا الفراغ الإداري يضعف استقلالية رؤساء المناطق ويحدّ من فرص شاغلي هذه المواقع في الحصول على الفئة الوظيفية الثانية، فيما يُمنح داوود موقعه بالأصالة. وإذا كانت هذه السياسة مقصودة، فإننا لا نكون أمام مجرد تأخير إداري، بل أمام خلل في إدارة الموارد البشرية يستوجب تفسيرًا ومساءلة. أما إذا كانت الوزيرة تنفي ذلك، فعليها أن تشرح للرأي العام لماذا تُركت هذه المواقع شاغرة، وما الجدول الزمني لملئها، وما المعايير التي تحكم قراراتها.
يا معالي الوزيرة، لا يكفي أن تعيّني مديراً بالأصالة؛ المطلوب أن تكون الإدارة العامة بالأصالة أيضاً، لا بالانتقائية والاستنسابية!
«نيو سيمز»… مشروع رقمي أم فاتورة كبيرة لنتائج مخيّبة؟
لكن الملف الأكثر إثارة للأسئلة هو مشروع «نيو سيمز»، الذي ارتبط إطلاقه بمستشار الوزيرة عماد جبور، فيما يتولى جورج داوود، بحسب المعطيات المتداولة، دورًا ميدانيًا في تنفيذه ومتابعته. وهنا ينتقل النقاش من التعيينات وصلاحيات المديرين إلى المال العام، والجدوى الفعلية للمشاريع الرقمية، وقدرة الوزارة على حماية بياناتها وضمان سلامة استخدامها.
لقد قُدّم التحول الرقمي باعتباره خطوة نحو إدارة أكثر كفاءة، وقاعدة بيانات أكثر دقة، وقرارات تستند إلى معلومات موثوقة. لكن ما الفائدة من مشروع رقمي إذا كانت آليات التحقق فيه تثير كل هذه التساؤلات؟ وما قيمة تحديث الأنظمة إذا كان المستخدم يستطيع، وفق الأمثلة المتداولة، إدخال بيانات غير منطقية من دون أن يرفضها النظام أو ينبه إلى الخلل؟
بحسب المعطيات التي تستوجب تحقيقاً تقنياً مستقلاً، يُثار حول «نيو سيمز» أنه يسمح بإدخال أسماء وهمية أو مكررة من دون ضوابط تحقق كافية، وأنه لا يصدر تقارير فعالة عند تكرار الأسماء، خلافًا لما كان متاحًا في النظام السابق «سيمز». وإذا ثبتت هذه الثغرات، فنحن أمام إخفاق لا يجوز التعامل معه بوصفه تفصيلًا تقنيًا عابرًا؛ لأن قواعد بيانات الطلاب ليست حقلًا للتجارب، بل أساس لتنظيم التسجيل المدرسي والإحصاءات والتخطيط التربوي.
أما المثال الأكثر إثارة للسخرية، فهو ما يُقال عن إمكانية إدخال سنة ولادة للطالب هي عام 3000 ميلادي، من دون أن يرفض النظام هذه المعلومة غير المنطقية. تخيّلوا حجم العبقرية الرقمية المطلوبة لبناء برنامج لا يستغرب أن يكون الطالب من مواليد الألفية الثلاثين! يبدو أن «نيو سيمز» قرر أن يسبق عصره بثلاثة آلاف سنة، لكنه نسي أن يتعلم أبسط قواعد التدقيق المنطقي.
وإذا كانت هذه الواقعة صحيحة، فالسؤال ليس فقط كيف مرّت هذه الثغرة، بل من اختبر البرنامج قبل إطلاقه؟ ومن وافق على اعتماده؟ ومن يتحمل مسؤولية غياب قواعد التحقق؟ وهل جرى إعداد تقرير تقني يثبت سلامة النظام، ويقارن أداءه بأداء البرنامج السابق، قبل إنفاق الأموال العامة عليه؟
ثم تأتي المفارقة الأكبر: إذا كانت المعلومات التي يُدخلها الفريق الجديد قد نُقلت في كثير من الحالات من البرنامج القديم، فما القيمة المضافة التي حققها المشروع؟ هل دفعنا كلفة نظام جديد لنحصل على معلومات كانت موجودة أصلًا؟ وهل كانت الحاجة إلى تحديث فعلي ومدروس، أم إلى مشروع جديد يحمل اسمًا حديثًا ويعيد إنتاج البيانات نفسها، مع مخاطر إضافية وثغرات تحتاج إلى المعالجة؟
إن التحول الرقمي ليس أن نغيّر اسم البرنامج ونرفع كلفته؛ التحول الرقمي أن نرفع جودة البيانات، ونمنع التكرار، ونحمي السجلات، وننتج تقارير أدق. وما دون ذلك قد يكون تحديثًا في الاسم، لا في الأداء.
120 دولاراً يومياً… مقابل ماذا تحديداً؟
ومن النقاط التي تستحق التدقيق أيضاً، ما يُتداول عن تقاضي أفراد الفريق الميداني بدلًا يومياً قدره 120 دولارًا لكل فرد. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة، فمن حق الرأي العام أن يعرف عدد أفراد الفريق، وعدد أيام العمل، ومصدر التمويل، والأساس القانوني للصرف، والنتائج التي تحققت مقابل هذه المبالغ.
نحن لا نتحدث عن بضعة دولارات تُصرف في نشاط هامشي، بل عن نفقات قد تتراكم إلى مبالغ كبيرة، ولا سيما إذا كان العمل الميداني يعيد إدخال بيانات موجودة أصلاً في النظام السابق. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كانت هناك دراسة جدوى تبرر هذه الكلفة؟ وهل جرى تحديد مؤشرات أداء قابلة للقياس؟ وهل رُبط صرف البدلات بإنجازات موثقة يمكن التحقق منها؟
إذا كان المشروع قد استدعى فريقًا ميدانياً لإعادة إدخال بيانات سبق أن أنجزتها المدارس أو كانت محفوظة في النظام القديم، فعلى الوزارة أن تشرح لماذا اختارت هذا المسار، وما الذي أضافه إلى جودة المعلومات. أما إذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى التحديث، فلتنشر الوزارة نتائجها، وتعرض مقدار التحسن، وتوضح كيف ضمنت عدم تكرار العمل.
فلا يجوز أن تتحول عبارة «التحول الرقمي» إلى مظلة ذهبية تُصرف تحتها الأموال من دون نتائج قابلة للقياس. ولا يجوز أن يصبح كل مشروع تقني جديد فرصة لتوسيع فرق العمل والبدلات، فيما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: ماذا استفادت المدارس والطلاب والإدارة العامة؟
يا ريما كرامي… المازوت ليس بديلًا عن المحاسبة!
وهنا نصل إلى المفارقة التي تختصر المشهد كله. ففي الوقت الذي يُثار فيه الجدل حول الكلفة المرتفعة لمشروع «نيو سيمز» والبدلات اليومية للفريق الميداني، تظهر الوزيرة ريما كرامي، بحسب ما يُتداول، في موقع من يسعى إلى تأمين المازوت لتشغيل مولدات الوزارة.
وهذه صورة تستحق التوقف عندها: وزارة تبحث عن المازوت لتبقي إدارتها قادرة على العمل، فيما تُطرح أسئلة عن مبالغ طائلة صُرفت على مشروع رقمي لم تتضح جدواه بما يكفي. فهل المشكلة في نقص الموارد فعلًا، أم في ترتيب الأولويات؟ وكيف يمكن تبرير العجز عن تأمين أبسط مستلزمات التشغيل، إذا كانت الوزارة قادرة في المقابل على إطلاق مشاريع مكلفة لا تُعرض للرأي العام نتائجها بوضوح؟
لا أحد يعترض على تحديث الأنظمة أو تطوير الإدارة، بل إن الوزارة في أمسّ الحاجة إلى ذلك. لكن التطوير لا يُقاس بعدد المستشارين، ولا بحجم الفريق الميداني، ولا بفخامة اسم المشروع. التطوير يُقاس بما إذا كانت بيانات الطلاب أكثر دقة، والمدارس أكثر قدرة على إنجاز معاملاتها، والإدارة أكثر شفافية، والمال العام أكثر حماية.
أما أن يصبح المازوت قضية تبحث الوزارة عن حل لها، بينما تتحول مشاريع الرقمنة إلى ملف مليء بالأسئلة، فهذه مفارقة تستحق أن توضع أمام الوزيرة مباشرة: أين ذهبت الأولويات، وأين ذهبت الأموال، ومن يراجع النتائج؟
المطلوب من الوزيرة: إجابات لا بيانات تجميلية
إن ملف جورج داوود لا ينبغي أن يتحول إلى معركة شخصية، بل إلى نقاش جدي حول الإدارة والصلاحيات والمساءلة. وإذا كان تعيينه بالأصالة مستندًا إلى معايير قانونية ومهنية واضحة، فعلى الوزارة أن تعلن هذه المعايير. وإذا كان أداؤه في إدارة ملف «نيو سيمز» ناجحًا، فلتعرض النتائج والأرقام والتقارير التقنية التي تثبت ذلك. أما إذا كانت هناك ثغرات أو هدر أو تكرار في العمل، فلا يكفي التذرع بأن المشروع حديث أو أن التحول الرقمي يحتاج إلى وقت؛ المطلوب تحديد المسؤوليات وتصحيح الخلل.
وعلى الوزيرة ريما كرامي أن تجيب بوضوح عن أسئلة لا يجوز أن تبقى معلقة:
لماذا جرى الإسراع في ملء بعض المواقع الإدارية، فيما بقيت رئاسات مناطق تربوية أساسية ومديريات ودوائر أخرى شاغرة؟ وما المعايير التي حكمت اختيار المعيّنين؟ وما حدود صلاحيات مدير التعليم الابتدائي في علاقته بالمناطق التربوية؟ وما الكلفة الإجمالية لمشروع «نيو سيمز»، وكم تقاضى الفريق الميداني، وما المخرجات التي حققها؟ وهل خضع النظام لتدقيق تقني مستقل؟ وهل تُعالج الثغرات المتعلقة بالأسماء المكررة والبيانات غير المنطقية؟ ولماذا أُعيد إدخال بيانات موجودة أصلًا، إذا كانت هذه الوقائع قد حصلت فعلًا؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، بل الحد الأدنى من الشفافية في وزارة تدير شؤون مئات آلاف الطلاب وآلاف المعلمين والمدارس.
ختاماً، يبدو أن جورج داوود نال لقب المدير بالأصالة، فيما لا تزال الإدارة العامة تبحث عن أصالة الأداء. أما «نيو سيمز»، فيهدد بأن يتحول من مشروع للتحول الرقمي إلى امتحان حقيقي لقدرة الوزارة على إدارة المال العام والبيانات والمسؤوليات.
وإذا كانت ريما كرامي تريد أن تثبت أنها وزيرة إصلاح، فعليها أن تبدأ من هنا: نشر الحقائق، وملء الشواغر وفق معايير واضحة، واحترام التسلسل الإداري، وإخضاع المشروع لتدقيق مستقل، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي هدر أو تقصير.
فالتربية لا تحتاج إلى مدير يتصرف كأنه فوق المناطق التربوية، ولا إلى برنامج يكتشف عام 3000 قبل أن يكتشف خطأً في سنة ولادة طالب. تحتاج إلى إدارة تعرف أن المال العام ليس ملكًا لأحد، وأن الوظيفة العامة مسؤولية، وأن كلمة «رقمنة» لا تعفي أحدًا من تقديم الحساب.
وإلى أن تظهر الإجابات، يبقى السؤال الأبلغ: هل أنشأت الوزارة «نيو سيمز» لتطوير بيانات الطلاب، أم أن الطلاب والمدارس والمال العام هم الذين أصبحوا حقل اختبار لمشروع لم تُثبت جدواه بعد؟
المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تمثل رأي الموقع
#مرايا_الدولية



