الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
صباح اليوم الإثنين 7 سبتمبر 2026، غادر المبعوثان الرئاسيان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بولندا متوجهين إلى واشنطن، بعد زيارتهما إلى موسكو وكييف.
واستمر الاجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، يوم السبت، نحو ثلاث ساعات، ووصفه الجانب الأميركي بعد ذلك بأنه كان بنّاءً، فيما تحدث ويتكوف عمّا أسماه «أفكاراً جديدة» طرحتها موسكو. وكان الأهم في اللقاء إبداء واشنطن رغبتها في العودة إلى صيغة المفاوضات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا.
ويشي ذلك، في رأيي، بأن ويتكوف نفسه أصبح قناة اتصال مباشرة مع بوتين، ليجعل انتقاله من موسكو إلى كييف الرحلة أشبه بنقل رسائل بين طرفين، لا مجرد زيارة دبلوماسية عادية. وجدير بالذكر هنا ما قاله ويتكوف مخاطباً بوتين أمام عدسات الكاميرا: «أعتقد أنني وجاريد ويوري (أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي) وكيريل (دميتريف، ممثل الرئيس الروسي لشؤون الاستثمارات الأجنبية) ستكون لدينا قصص وذكريات مذهلة عن هذه الفترة، إلا أن ذكرياتي معك سيدي الرئيس ستكون في مقدمة كل ذلك».
وفي كييف، استمر اللقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكثر من أربع ساعات، ليخرج بعد ذلك متحدثاً عن الدفاع الجوي وصواريخ «باتريوت» والطاقة والاستعداد لفصل الشتاء، إلى جانب الاستعداد لاستمرار الحرب. إذ ترى كييف أن التفاوض يمثل مساراً «بالتوازي» مع الاستعداد العسكري لمواصلة الحرب، والحصول على المساعدات الغربية، سواء في مجال الدفاع أو الطاقة، إلى ما لا نهاية.
فحين يكون الحديث عن السلام، ويكون أول ما يطلبه وينطق به زيلينسكي هو المزيد من صواريخ «باتريوت» والطاقة لفصل الشتاء لمواصلة القتال، فإن الحرب لم تغادر غرفة التفاوض في كييف بعد.
ولم تقتصر المحادثات في كييف على الجانب الأميركي وزيلينسكي، إذ انتقلت الاجتماعات لاحقاً إلى صيغة موسعة بمشاركة مستشاري الأمن القومي لما يسمى بـ«الترويكا الأوروبية»، التي تضم بريطانيا وألمانيا والنمسا، كما أعلن زيلينسكي عن اجتماع مقبل يضم الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا.
ويعني ذلك أن أي تسوية لا يمكن أن تكون مجرد تفاهم أميركي أوكراني، وإنما لا بد أن تدخل أوروبا أيضاً. فإذا كانت واشنطن تتفاوض مع موسكو، بينما تحتاج كييف إلى موافقة العواصم الأوروبية وإشراك لندن وباريس وبرلين في قراراتها، فأين يبدأ القرار الأوكراني المستقل وأين ينتهي؟ وإلى أي حد يمكن لأي أحد في كييف أن يتحدث عن استقلال إرادة القيادة السياسية للدولة أو سيادة الدولة على قراراتها؟
ويكشف المشهد برمّته أن الحرب باتت مرتبطة بشبكة من الالتزامات والدعم والضمانات الأميركية ثم الأوروبية، وهما يتبادلان المواقع استناداً إلى الظرف السياسي والتوقيت، بحيث يصعب تصور أي تسوية لا تمر عبر هاتين القناتين.
لكن السؤال الحقيقي يظل: هل نحن أمام عودة فعلية للمفاوضات؟
لا يوجد حتى الآن أي اختراق حقيقي في المواقف، إذ لا يزال الكرملين يصر على ما أكده بوتين منذ عامين، وتحديداً في 14 يونيو 2024، بوصفه إطاراً أساسياً لأي تسوية مع أوكرانيا.
وقال بوتين آنذاك: «لكي تبدأ المفاوضات، يجب سحب القوات الأوكرانية بالكامل من جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، وكذلك من مقاطعتي زابوروجيه وخيرسون، وتحديداً من الحدود الإدارية لهذه المناطق كما كانت قائمة وقت دخولها في قوام أوكرانيا».
وتابع بوتين يومها: «فور أن تعلن كييف استعدادها لهذا القرار، وتبدأ السحب الفعلي لقواتها من هذه المناطق، وتخطر رسمياً بالتخلي عن خطط الانضمام إلى الناتو، سنوقف إطلاق النار في اللحظة نفسها حرفياً ونبدأ المفاوضات».
وأضاف أن الحياد وعدم الانحياز وعدم امتلاك السلاح النووي يجب أن تكون من المبادئ الأساسية لوضع أوكرانيا المستقبلي، إلى جانب ضمان حقوق ومصالح السكان الناطقين بالروسية.
وبرغم ذلك، لا تزال الإدارة الأميركية تسعى إلى إحراز تقدم قبل نوفمبر، موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، كي يقول ترامب إنه أنهى الحرب، فيما يأمل الأميركيون استئناف المفاوضات الثلاثية.
ولم تنتهِ رحلة ويتكوف وكوشنر باتفاق نهائي، لكنها ربما أعادت فتح باب كان يبدو أنه أُغلق تماماً. غير أن الطريق، حتى مع فتح الباب، شديد الوعورة، وقد ازداد وعورة عمّا قبل بسبب الضربات الأوكرانية والتهديدات الإرهابية لزيلينسكي، وما أسماه «خطورة المجال الجوي الروسي لكثرة المسيّرات».
لقد ذهب ويتكوف وكوشنر إلى موسكو ثم كييف بحثاً عن صيغة ثلاثية، موسكو – واشنطن – كييف، ليجدا نفسيهما أمام صيغة رباعية تتضمن «الترويكا الأوروبية» كطرف رابع في المفاوضات.
وهو ذات الموقف الذي ظهر حين عاد ترامب إلى واشنطن بعد ألاسكا ودعا زيلينسكي للحديث عن مفاوضات ثلاثية، ليجد أمامه أوروبا مجتمعة حول زيلينسكي، راغبة في التدخل والتفاوض باسم أوكرانيا لا إلى جانبها، وليجد حزب الحرب في أوروبا أقوى حتى من قدرة الولايات المتحدة على مجابهته.
وعادت كييف إلى استئناف القتال بزخم أكبر وبأسلحة أكثر ضرراً تستهدف البنية التحتية المدنية في روسيا، وهو ما أسفر عن تصعيد غير مسبوق يؤثر على حياة المواطنين الأوكرانيين في كييف قبل أن يمس حياة المواطنين في روسيا، مع اختلاف المساحة والقدرات الواضح.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح، خلال الجلسة العامة لمنتدى الشرق الاقتصادي في 3 سبتمبر الجاري، بأن روسيا انطلقت منذ البداية من أن «المنشآت المدنية البحتة لا يمكن أن تكون أهدافاً لأي هجمات من أي نوع، لكننا كنا مخطئين. فقد بدأ الخصم يشن ضربات على منشآت مدنية بحتة، واضطررنا إلى الرد بالمثل، وكان رداً ذا أثر كبير للغاية».
ويُعدّ تغير الرد الروسي، في رأيي، بداية لإمكانية كبيرة للتصعيد الروسي، يأتي بعد أن فاض الكيل واختبر الغرب، ولا سيما الترويكا الأوروبية، صبر روسيا لعدة أشهر، من خلال إمداد أوكرانيا بالمسيّرات متوسطة وبعيدة المدى، وتزويدها بالبيانات الاستخباراتية، والسماح بضرب أهداف مدنية بحتة في عمق الأراضي الروسية.
ولا تزال روسيا منفتحة على التسوية، وهو ما أكده الرئيس بوتين ومسؤولوه في مناسبات كثيرة، لكن الحرب مستمرة، وروسيا مستعدة للرد بالمثل على أي ضربات تستهدف المنشآت المدنية.
ويعود ويتكوف وكوشنر بتوصيات محددة، أتوقع أن يكون على رأسها الضغط على أوروبا لإجبار زيلينسكي على التفاوض، أو بالأحرى دفع بعض دول الناتو الأوروبية إلى التفاوض ووقف مسار الحرب، والأهم وقف خطة الهجمات التي ستؤثر على سكان العاصمة الأوكرانية والشعب الأوكراني، وكذلك شعوب بعض الدول الغربية التي تورط زعماؤها في الحرب ضد روسيا، قبل الشعب الروسي، في ظل تقهقر واضح وهزيمة للجيش الأوكراني على طول جبهة القتال.
#مرايا_الدولية




