اتخذ البنك المركزي الأوروبي خطوة جديدة في اتجاه تشديد السياسة النقدية
بعدما أقر رفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.5%، في وقت يواجه فيه اقتصاد منطقة اليورو ضغوطاً متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة، بينما لا تزال تداعيات الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على توقعات التضخم والنمو.
ويُعد قرار الخميس ثاني رفع للفائدة ينفذه البنك خلال 2026، وجاء متوافقاً مع توقعات الأسواق. ووفق المستوى الجديد، أصبحت فائدة الودائع عند الحد الأعلى للنطاق الذي يعتبره صانعو السياسة “محايداً”، أي المستوى الذي لا يقيّد النشاط الاقتصادي ولا يمنحه حافزاً إضافياً.
وتظهر بيانات التضخم حجم التحدي أمام البنك، بعدما تجاوز معدل ارتفاع الأسعار في منطقة اليورو، المؤلفة من 21 دولة، حاجز 3% خلال الشهر الماضي. ويأتي ذلك بفارق كبير عن هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، مع لعب أسعار النفط والغاز الطبيعي المرتفعة دوراً رئيسياً في دفع التضخم إلى مستويات أعلى.
ولا تقتصر المخاطر على أسعار الطاقة الحالية، إذ يحذر البنك من أن استمرار التصعيد في الصراع قد يؤدي إلى ضغوط سعرية إضافية، يمكن أن تمتد لاحقاً إلى عملية تحديد الأجور، وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”.
ورغم الصورة التضخمية المقلقة، يرى البنك أن الاقتصاد أظهر صلابة أكبر مما كان متوقعاً. ولذلك رفع تقديره للنمو في 2026 إلى 0.9% بدلاً من 0.8% وفق توقعات يونيو، فيما يتوقع أن يصل النمو إلى 1.4% في 2027 و1.5% في 2028.
وفي المقابل، تبدو عودة التضخم إلى المستوى المستهدف أبطأ من المطلوب. فالتقديرات الجديدة تضع متوسط التضخم عند 3.0% في 2026، و2.5% في 2027، قبل أن ينخفض إلى 2.1% في 2028، ما يعني أن مستوى 2% لن يتحقق وفق هذه التوقعات قبل عام 2028.
وتراقب الأسواق بصورة خاصة تطورات قطاع الطاقة، في ظل ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وتراجع مخزونات الغاز إلى مستويات أدنى من المعدلات التاريخية، بالتزامن مع اقتراب موسم التدفئة الشتوي. كما تبددت الآمال في انتهاء سريع للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في أواخر فبراير الماضي، ما يزيد من صعوبة تحديد المسار المقبل للأسعار.
لكن انتقال ارتفاع تكلفة الطاقة إلى بقية مكونات الأسعار لم يظهر حتى الآن بالسرعة التي كانت تخشاها الأسواق. فقد تباطأ التضخم الأساسي خلال الشهر الماضي، بعد استبعاد الغذاء والوقود المتقلبين، مدفوعاً بتراجع تضخم الخدمات. كذلك استمر نمو الأجور في التباطؤ، وهو عامل مهم في تقييم احتمال تحول صدمة الأسعار إلى تضخم أكثر استدامة.
وتحمل أسواق السندات أيضاً إشارات إلى تشدد الأوضاع المالية، إذ سجلت عوائد السندات ارتفاعات حادة، ويرتبط ذلك بشكل رئيسي بالصعود المماثل في عوائد سندات الخزانة الأميركية. ويسهم ارتفاع تكاليف الاقتراض في تشديد الظروف التمويلية، بما يؤدي جزءاً من المهمة التي يسعى البنك المركزي إلى تحقيقها.
ومع ذلك، لا تزال الضغوط الحالية بعيدة عن مستويات الأزمة التي شهدتها أوروبا في 2022، عندما تخطى التضخم 10% نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وأكدت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أن التضخم سيبقى فوق المستوى الذي يستهدفه البنك خلال الفترة المقبلة. وقالت خلال مؤتمر صحافي إن التقديرات تشير إلى وصوله إلى 2.5% في 2027 ثم 2.1% في 2028، محذرة من أن استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق قد يغير توقعات البنك المتعلقة بالأسعار.
وفي تقييمها للوضع الاقتصادي، قالت لاغارد إن اقتصاد منطقة اليورو ظل قوياً خلال الربع الثالث، مشددة على أن قرارات السياسة النقدية ستُتخذ اعتماداً بدرجة كبيرة على البيانات الاقتصادية.
ومن جانبها، قالت كارينا كامل، مراسلة “العربية بيزنس”، إن قرار رفع الفائدة لم يكن مفاجئاً للأسواق، في ظل تداولات اتسمت بالتقلب وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات قياسية، ولا سيما في ألمانيا وفرنسا، حيث جاءت العوائد أعلى بكثير من المستويات التي كانت متوقعة.
وأشارت كامل إلى أن الصورة التي ترسمها توقعات التضخم تحمل دلالة مهمة بشأن الخطوات المقبلة، إذ إن بقاء المعدلات عند 3% في 2026 ثم 2.5% في 2027 و2.1% في 2028 يعني أن البنك لا يتوقع الوصول إلى هدفه البالغ 2% إلا في 2028.
وترى أن هذا المسار، مقترناً بتحسن توقعات النمو، يعطي بيان البنك نبرة أكثر تشدداً، خصوصاً بعدما رفع تقديراته للنمو في 2026 و2027. ووفق السيناريو الأساسي، يبلغ النمو 0.9% هذا العام، و1.4% في العام المقبل، و1.5% في 2028، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد على الصمود بصورة أفضل من التوقعات السابقة.
وبحسب كامل، فإن استمرار التضخم فوق التوقعات، وتأخر عودته إلى هدف البنك، بالتزامن مع تحسن النشاط الاقتصادي، كلها عوامل تمنح المركزي الأوروبي مساحة لاتخاذ قرار جديد برفع الفائدة.
وأضافت أن البنك ما زال يعتبر الضغوط التضخمية مرتفعة وقائمة، وهو ما شكل أحد دوافع القرار الأخير، بينما يصف آفاق الاقتصاد بأنها شديدة عدم اليقين، مع وجود مخاطر متزايدة لعودة التضخم إلى مستويات أعلى.
وفي ما يتعلق بصدمة الطاقة، أوضحت كامل أن البنك أدرج ثلاثة مسارات محتملة لتطور التضخم والنمو وفقاً لمسار الأحداث، هي السيناريو الأساسي، والسيناريو المتوسط، والسيناريو شديد السوء.
وتخلص القراءة الأولية لقرار المركزي الأوروبي إلى أن البنك أبقى سياسته في منطقة التشدد، ولم يغلق الباب أمام رفع جديد للفائدة قبل نهاية العام الحالي. وتنسجم هذه الإشارة مع تسعير الأسواق، التي تتوقع زيادة أخرى في أسعار الفائدة قبل نهاية 2026، مع احتمال تنفيذ رفع إضافي خلال النصف الأول من 2027.
#مرايا_الدولية




