وضعت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية الحزب الجمهوري أمام
أزمة داخلية متصاعدة، بعدما خسر السيطرة على مجلسي الكونغرس، وسط موجة انتقادات طالت الرئيس دونالد ترامب، الذي حمّله عدد من قيادات حزبه مسؤولية تراجع شعبيته وإخفاق مرشحيه في تحقيق نتائج إيجابية داخل ولايات لطالما عُدّت معاقل تقليدية للجمهوريين.
ولم تتوقف تداعيات الهزيمة عند حدود أداء المرشحين وإدارة الحملات الانتخابية، بل تحولت إلى نقاش واسع بشأن سياسات ترامب خلال الفترة الماضية، إذ وضع جمهوريون قراراته الاقتصادية والتجارية، ومواقفه الخارجية، فضلاً عن تدخله في اختيار المرشحين، ضمن أبرز الأسباب التي دفعت الناخبين إلى معاقبة الحزب في صناديق الاقتراع، بحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».
وبرزت الحرب الأميركية مع إيران باعتبارها أحد العوامل الرئيسية التي أثّرت في حظوظ الجمهوريين، بعدما ساهمت تداعياتها في رفع أسعار البنزين والديزل، بالتزامن مع استمرار الضغوط المعيشية والتضخم. واعتبر كريغ شيرلي، الذي سبق أن عمل مساعداً في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، أن الحرب ألحقت أضراراً مباشرة بمرشحي الحزب، مشيراً إلى أن نتائج الانتخابات ربما كانت ستأتي بصورة مختلفة لو لم تندلع.
وأوضح شيرلي أن قطاعات من الأميركيين لا تعارض ترامب بالضرورة، لكنها ترفض الحرب وما ترتب عليها من أعباء اقتصادية، ولا سيما ارتفاع أسعار الوقود. كذلك ساهمت الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية في زيادة حالة الاستياء، مع تنامي المخاوف من انعكاساتها على الشركات والأسواق والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وفي هذا السياق، ربط برينكر هاردينغ، الذي خسر السباق الانتخابي في إحدى دوائر ولاية نبراسكا، بين ارتفاع أسعار البنزين والسياسات الجمركية للرئيس، معتبراً أنهما شكّلا عبئاً إضافياً على المرشحين الجمهوريين. أما في ميشيغان، فقد حاول المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز الابتعاد عن بعض توجهات ترامب، منتقداً الرسوم الجمركية وداعياً إلى إنهاء الحرب مع إيران، لكنه خسر الانتخابات رغم مواقفه، في مؤشر على صعوبة فصل المرشحين عن السياسات العامة للإدارة.
وامتدت دائرة الاتهامات إلى تدخل ترامب في تحديد المرشحين الذين يحظون بدعمه، إذ رأى جمهوريون أن الرئيس منح ثقله السياسي لشخصيات لم تكن تملك فرصاً كافية للفوز، ما أضعف موقف الحزب في عدد من السباقات المهمة. ووضع النائب الجمهوري دون بيكون عدم شعبية ترامب في مقدمة أسباب التراجع، تليه خياراته المتعلقة بالمرشحين، مستشهداً بإخفاق شخصيات دعمها الرئيس، بينها كين باكستون في تكساس، إلى جانب مرشحين آخرين خاضوا منافسات انتخابية صعبة.
ولم تنجح محاولات بعض المرشحين الابتعاد عن مواقف البيت الأبيض في تجنيبهم الخسارة، فيما سجل الجمهوريون تراجعاً في ولايات محافظة رغم الدعم الذي قدمه ترامب لمرشحيهم. واعتبر المستشار الجمهوري ديك وادهامز أن معظم الذين خسروا السباقات المهمة لمجلس الشيوخ كانوا من الشخصيات التي استقطبها الرئيس أو أعلن تأييده لها، مشيراً إلى أن التصويت لم يكن بالضرورة تعبيراً عن تأييد الديمقراطيين، بقدر ما عكس رفضاً لترامب.
وفي موقف أكثر حدة، حمّل الاستراتيجي الجمهوري جيسون رو الرئيس مسؤولية التراجع الانتخابي، معتبراً أن طريقة إدارته للحملة ساهمت في إثارة غضب الناخبين بدلاً من استقطابهم. ورأى أن ترامب أنهى تحركاته الانتخابية بمواقف وخطابات زادت من حدة الاعتراض عليه، في وقت كان الحزب بحاجة إلى توسيع قاعدته الشعبية والحفاظ على أصوات الناخبين المترددين.
وامتد الاستياء إلى صفوف الناخبين الجمهوريين أنفسهم، إذ ربط مؤيدون للسيناتور جون هستد في ولاية أوهايو خسارته أمام الديمقراطي شيرود براون بالسياسات التي اتبعها الرئيس. وفي أوكلاهوما، وجّه العمدة الجمهوري ديفيد هولت انتقادات قاسية إلى حزبه، واصفاً حالته الأخلاقية والفكرية بالإفلاس، ومعتبراً أن نتائج الانتخابات تعكس إخفاقاً مرتبطاً بصورة مباشرة بأداء ترامب، وليس مجرد تعثر انتخابي عابر.
وفي مواجهة الانتقادات المتصاعدة، حاولت القيادات الجمهورية الحد من تداعيات الهزيمة وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس. فقد أصدر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون بياناً أشاد فيه بما وصفه بإنجازات الحزب خلال العامين الأولين من الولاية الثانية لترامب، من دون التطرق إلى أسباب الخسارة، مؤكداً استمرار التعاون مع البيت الأبيض لمواجهة ما اعتبره توجهات متطرفة لدى الديمقراطيين.
كذلك دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن ترامب، موجهاً انتقادات إلى الديمقراطيين، ومعتبراً أنهم يعانون مما وصفه بـ«متلازمة اضطراب ترامب»، في وقت خسر فيه حزبه السيطرة على المجلس، ما عكس تمسك قيادات جمهورية بمساندة الرئيس رغم اتساع دائرة الاعتراضات داخل الحزب.
لكن نتائج الانتخابات فتحت الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل نفوذ ترامب داخل الحزب خلال العامين المتبقيين من ولايته، خصوصاً مع بروز دعوات لمراجعة الاستراتيجية الجمهورية وإعادة النظر في المرحلة التي ارتبطت بقيادته. وباتت القيادات أمام معادلة صعبة بين مواصلة دعم الرئيس والاستجابة للأصوات التي تطالب بتغيير النهج السياسي والانتخابي للحزب، تجنباً لتكرار الخسائر في الاستحقاقات المقبلة.
من جهته، رفض ترامب تحمّل المسؤولية المباشرة عن النتائج، وعزا ضعف المشاركة الجمهورية إلى عدم وجود اسمه على بطاقات الاقتراع، معتبراً أن حضوره الشخصي كان كفيلاً بتحفيز أعداد أكبر من الناخبين على المشاركة. وجاء ذلك خلال مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، مساء الثلاثاء، قبل إغلاق مراكز الاقتراع في بعض أنحاء البلاد، إذ قال إن غيابه عن المنافسة حال دون حشد عدد كافٍ من الناخبين الجمهوريين.
كما وجّه الرئيس انتقادات إلى بعض المرشحين الذين دعمهم، معتبراً أنهم لم يتمكنوا من تحفيز الناخبين، وأن مواقف بعضهم لم تنل رضا قاعدته الانتخابية. غير أن هذه التبريرات لم تقنع عدداً من الجمهوريين، الذين رأوا أن ترامب كان حاضراً بقوة في مختلف السباقات من خلال سياساته وقراراته، وأن الناخبين عبّروا عن رفضهم لأدائه عبر التصويت ضد مرشحي حزبه.
وفي هذا الإطار، قال جون فلايشمان، المدير التنفيذي السابق للحزب الجمهوري في كاليفورنيا، إن الناخبين لم تتح لهم فرصة التعبير عن استيائهم من الرئيس عبر التصويت ضده مباشرة، فلجأوا إلى معاقبة مرشحي الحزب في صناديق الاقتراع، في رسالة عكست حجم الغضب من إدارة ترامب وسياساتها.
#مرايا_الدولية



