شهدت سوق العملات المشفرة تعميقاً جديداً في جراحها خلال تعاملات يوم الأربعاء
إثر استمرار الهبوط الحاد لعملة بيتكوين نتيجة مخاوف المستثمرين المتصاعدة. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بإقدام شركة (Strategy In) على التخلي عن جزء يسير جداً من احتياطياتها الهائلة من هذه العملة، مما فجر ضغوطاً بيعية واسعة النطاق في السوق، وزاد من اتساع الفجوة السعرية بين بيتكوين وأسهم قطاع التكنولوجيا التي لا تزال تحلق في مستويات تاريخية غير مسبوقة.
وسجلت العملة الرقمية الأكبر عالمياً هبوطاً بلغت نسبته ٣.١%، لتهبط إلى مستوى ٦٥٣٩١ دولاراً، قبل أن تنجح في استرداد جزء ضئيل من خسائرها لاحقاً. وتأتي هذه الموجة البيعية لتستكمل مسيرة هبوطية قاسية ومفاجئة نجحت في محو ما يقارب ١٦٠ مليار دولار من إجمالي القيمة السوقية لقطاع الأصول المشفرة خلال الأسبوع الجاري فقط.
وبالنظر إلى تفاصيل الصفقة، فإن شركة “ستراتيجي” التي تتربع على عرش أكبر الشركات المدرجة حيازة للبيتكوين في ميزانيتها العمومية، قامت ببيع ما قيمته نحو ٢.٥ مليون دولار فقط من العملة، وهو ما يعادل ٣٢ وحدة بيتكوين من بين حيازاتها الضخمة البالغة ٨٤٣,٧٠٦ عملات، والتي تقدر قيمتها الإجمالية بأكثر من ٦٠ مليار دولار.
وعلى الرغم من أن حجم هذه الصفقة يعد متناهي الصغر ولا يكاد يذكر مقارنة بحجم الأصول الكلي للشركة، إلا أن تأثيرها النفسي كان مدوياً في الأسواق. ويعود ذلك إلى كونها حطمت الفكرة الراسخة لدى المتداولين بأن رئيس مجلس الإدارة مايكل سايلور ملتزم التزاماً مطلقاً بسياسة “عدم البيع نهائياً”، بحسب ما أوضحه راجيف ساهني، رئيس إدارة المحافظ الدولية لدى شركة Wave Digital Assets.
وأشار ساهني إلى أن العملية من الناحية المالية تعتبر غير مؤثرة بالمرة وتعد مجرد هامش ضئيل جداً بالنظر إلى حجم ما تمتلكه الشركة، إلا أن الرسالة الضمنية التي التقطتها السوق هي العامل الأهم والسبب الرئيس وراء هذا القلق، لا سيما وأنها تزامنت مع أداء باهت وضعيف لعملة بيتكوين على مدار الأسابيع القليلة الماضية.
وفي المقابل تماماً، كان المشهد مغايراً في أسواق الأسهم الأمريكية، حيث واصلت شركات التكنولوجيا طفرتها الصعودية ليغلق مؤشر ناسداك ١٠٠ عند قمة قياسية جديدة يوم الثلاثاء، الأمر الذي يبرز بوضوح حالة الانفصال والتباعد الكبيرة بين أداء البيتكوين والقطاع التكنولوجي.
وعند رصد الأداء خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة، يتضح أن مؤشر ناسداك ١٠٠ قفز بنسبة بلغت ٤٢%، في الوقت الذي تجرعت فيه بيتكوين مرارة الخسارة بفقدانها ٣٧% من قيمتها، لتستقر تداولاتها الحالية عند مستويات تقل بنحو ٤٨% عن ذروتها القصوى التي سجلتها في العام الماضي.
ويعزو فصيل واسع من المستثمرين هذا التباين إلى تحول بوصلة رؤوس الأموال والسيولة بشكل متزايد وصريح نحو الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي على حساب الأصول الرقمية. وفي هذا السياق، ذكر كارني ماك، الشريك في FXHB Asset Management، أن رغبة المستثمرين في اقتناص فرص أفضل من حيث العوائد وإدارة المخاطر دفعت قطاعاً منهم إلى إعادة تدوير جزء من استثماراتهم وتحويلها من العملات المشفرة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي.
ونوه ماك بأن بيئة العملات المشفرة تفتقر في الوقت الراهن إلى وجود محفزات حقيقية وقوية قادرة على دفع الأسعار للأعلى على المدى القصير، بخلاف شركات الذكاء الاصطناعي الاستثنائية التي تستمر في خطف الأضواء واكتساب زخم تصاعدي مستمر وقوي يتسم بجذب السيولة.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل امتدت لتظهر بوضوح في حركة الصناديق الاستثمارية، حيث تعرضت صناديق بيتكوين المتداولة في البورصة داخل الولايات المتحدة لسحوبات نقدية صافية بلغت نحو ٤ مليارات دولار خلال جلسات التداول الاثنتي عشرة الأخيرة، لتسجل بذلك أطول سلسلة تاريخية متواصلة من التدفقات الخارجة من هذه الصناديق.
وفي ذات السياق، كشفت الأرقام الصادرة عن منصة Coinglass المتخصصة عن حدوث عمليات تصفية واسعة النطاق لمراكز الشراء المضاربية في سوق العقود الدائمة للعملات الرقمية، بقيمة إجمالية قاربت ١.٥ مليار دولار خلال أربع وعشرين ساعة فقط.
وتتزايد مخاوف المحللين حالياً من أن يتخطى التأثير السلبي لعملية البيع حدود شركة “ستراتيجي” ذاتها، خصوصاً بعد أن هبط سهم الشركة بنسبة ١٤% خلال هذا الأسبوع، ليتعمق تراجعه إلى أكثر من ٧٠% مقارنة بأعلى مستوياته التاريخية السابقة.
وبناءً على ذلك، أصبحت الصناديق الاستثمارية ذات الارتباط المباشر بسهم الشركة، مثل صناديق MSTU وMSTY وMSTX، في مواجهة مباشرة مع مخاطر تقلبات حادة وعنيفة، وذلك في حال استمرار تآكل ثقة المستثمرين بالمنهجية القائمة على مراكمة البيتكوين بشكل مستمر.
ويرى براتيك كالا، مدير المحافظ في صندوق Apollo Crypto، أن الهبوط الحالي في سهم “ستراتيجي” ينعكس بصورة فورية وتلقائية على الصناديق الاستثمارية المرتبطة به، وهو ما يهدد بالدخول في دوامة مغلقة وحلقة مفرغة من تكبد الخسائر المستمرة وخروج الأموال، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى تدمير المعنويات العامة في السوق تماماً.
واختتم كالا حديثه واصفاً المشهد بأنه حلقة من التغذية العكسية السلبية، حيث يؤدي تراجع السهم إلى الضغط العنيف على الصناديق التابعة له، ومع تفاقم حدة الخسائر يندفع المستثمرون لسحب أموالهم بسرعة، مما يضاعف الضغوط البيعية على السهم الأصلي، وينعكس سلباً وبشكل مباشر على مجمل حركة سوق بيتكوين.
#مرايا_الدولية




