بقلم Fatin Ali
«حين تتهاوى أوهام القوة، يكتشف العالم أن الجيوش قد تصنع الهيبة، وأن الأموال قد تشتري الولاءات، وأن الإعلام قد يزيف الحقائق، لكن إرادة الشعوب والعقائد الراسخة وحدها هي التي تصنع التاريخ.»
في لحظات التحولات الكبرى، يكتشف الناس أن القوة التي بدت عصية على الانكسار لم تكن سوى صورةٍ ضخَّمتها آلة المال والإعلام والسطوة. فكم من إمبراطورياتٍ ظنت أنها خالدة، فإذا بها تتهاوى أمام إرادة الشعوب وثبات المؤمنين بقضاياهم.
ولأن التاريخ لا يُكتب بمنطق الغلبة الآنية، بل بمنطق الصمود وطول النفس، فقد أثبتت الأمم أن الكرامة ليست شعاراً يُرفع في أوقات الرخاء، بل موقفاً يُختبر في لحظات العاصفة.
تحيةٌ لإيران التي آمنت بأن الكرامة موقف، وأن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع، فاختارت درب التحدي بدلًا من الخضوع، وحملت راية الصمود في زمنٍ ازدحمت فيه ساحات السياسة بالمساومات والانكسارات.
إن الأحداث التي تعصف بالمنطقة ليست مجرد صراعٍ على النفوذ أو المصالح كما يصورها البعض، بل تبدو وكأنها مخاضٌ تاريخي يعيد رسم موازين القوى ويكشف حقيقة المواقف. فهناك من يرى في الكرامة مبدأً لا يقبل المساومة، وهناك من يختار الانحناء أمام سطوة القوة ومغريات المصالح.
وكأننا أمام مرحلة فاصلة ينقسم فيها الناس إلى فسطاطين؛ فسطاطٍ للخير يبدو في أعين كثيرين قليل العدة، محدود القوة، تحيط به قوى الظلام من كل جانب، وفسطاطٍ للشر تجتمع حوله أسباب القوة والمال والإعلام والبهرجة، حتى يظنه الناس غالبًا لا يُقهَر.
غير أن سنن التاريخ تخبرنا بأن كثرة العتاد لا تصنع الخلود، وأن القوة التي لا تستند إلى الحق سرعان ما تتحول إلى ذكرى. فما أكثر القوى التي ملأت الأرض ضجيجًا وسطوةً، ثم سقطت حين اصطدمت بإرادة الشعوب وإيمانها بقضاياها.
إن هذا المخاض ليس سوى امتحانٍ للإيمان والبصيرة، يُمحِّص الله به أهل الثبات، ويكشف المترددين الذين تقودهم رهبة القوة الظاهرة، حتى لا يبقى إلا من أيقن أن سنن الله لا تُقاس بلحظة عابرة، وأن الغلبة في النهاية ليست لمن يملك أسباب البطش، بل لمن ثبت على الحق.
وحين تأتي لحظة التحول الكبرى، يقع النصر بطريقة تتجاوز حسابات البشر، فيبهت أنصار الباطل أمام ما لم يكونوا يتوقعونه، ويقفون عاجزين عن استيعاب كيف انهارت كل أسباب القوة التي كانوا يظنونها عصيةً على السقوط.
وحين يسقط غبار المعارك، لن يتذكر التاريخ من امتلك السلاح الأكثر فتكًا، بل من امتلك الإرادة التي جعلته يقف حين اختار الآخرون الانحناء.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

#مرايا_الدولية



