الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى
لم يعد ممكناً في ضوء تراكُم المؤشّرات، قراءة سلوك إسرائيل في الحرب الحالية على أنّه مجرّد مشاركة في تحالفٍ تقليدي مع الولايات المتحدة الأميركية. فما يتكشّف تدريجيًا يوحي بأنّنا أمام مسارٍ ممنهج، تسعى من خلاله إسرائيل إلى بلوغ مرحلة الاستغناء عن واشنطن، بعد استثمار قوّة الأخيرة ومعوناتها إلى أقصى حدّ، ودفعها إلى الانخراط في حربٍ مفتوحة تستنزف هيبتها وتستهلك مقدّراتها، تمهيداً لإخراجها من معادلة التأثير المباشر في الشرق الأوسط وربما في مناطق أخرى من العالم.
هذه القراءة تستند إلى تقاطع عناصر عدّة: نقاش داخلي أميركي متصاعد حول كلفة العلاقة مع إسرائيل ونيّاتها تجاه الولايات المتحدة، عبّر عنه باحثون مثل «جون ميرشايمر» و«ستيفن والت»، إلى جانب أصوات سياسية في الكونغرس ومجلس النواب، فضلاً عن بعض حكّام الولايات وإعلاميين ومؤثّرين. جميعهم يتوجّسون من نيات إسرائيل عمومًا، وبنيامين نتنياهو خصوصاً، في ضوء انفتاحٍ متزايد على الصين في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية، وتعميق العلاقات مع الهند في الأمن والتكنولوجيا والتعاون الاستراتيجي، بما يتجاوز «تنويع الشراكات» إلى السعي للتحرّر من التبعية لواشنطن، وربما الحلول محلّها كقوّة عظمى في الشرق الأوسط على الأقل.
وفي هذا السياق، تكتسب الكلمة المأثورة معناها: «ما أضمر امرؤٌ شيئًا إلاّ وظهر في فلتات لسانه». ومن هذه الفلتات ما ورد في خطاب نتنياهو الأخير حين قال إنّ إسرائيل في طريقها لتصبح قوة عظمى، ثم أتبع ذلك بتأكيد قرب الإعلان عن «حلفاء جدد». مثل هذا الكلام، في ظل التحوّلات الجارية، لا يُقرأ كعبارة عابرة، بل كمؤشّر إلى سعيٍ حثيث لإعادة تعريف موقع إسرائيل في النظام الدولي.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً مع إعادة نتنياهو التذكير بمشروعه الذي عرضه عام 2023، والقائم على مدّ أنابيب النفط من دول الخليج إلى إسرائيل لتصديره إلى أوروبا والعالم. أي أنّ إسرائيل تسعى لتكون في موقع المتحكّم بإمدادات الطاقة، بما يجعل العالم أكثر خضوعاً لسطوتها. ومن الطبيعي أن تسعى إلى التحكّم المباشر بثروات المنطقة، بدل الاكتفاء بما تمنحها إياه الولايات المتحدة على شكل معونات وهبات.
ويبدو أنّ الولايات المتحدة ودول المنطقة وشعوبها باتوا يدركون أنّ إسرائيل تسعى لأن تكون هي «الجابي»، وأنّ تحقيق ذلك لا يتمّ إلا بإزاحة «الجابي الحالي» عبر جرّه إلى حرب تضعفه وتستهلكه وتكسر هيبته، وهذا ما يظهر في الحرب الراهنة مع إيران.
ضمن هذا الإطار، لا تبدو الحرب في المنطقة مجرّد نزاع أمني عابر، بل أداة في مسارٍ أوسع نحو هدفٍ أبعد: فكلما طال أمد الانخراط الأميركي وارتفعت كلفته، تراجعت قدرته على فرض النفوذ، وانكسرت هيبته وتلاشت صورته كقوة ضامنة، وبدأت ملامح الفراغ بالظهور. وفي المقابل، تنبري إسرائيل لملء هذا الفراغ، مستفيدةً من نتائج الاستنزاف ذاته، ومدعومةً بشبكة علاقات آخذة في الاتساع شرقًا.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى تدرك النخب المؤثّرة داخل الولايات المتحدة طبيعة هذا المسار؟ ومتى تنتقل من إدارة العلاقة إلى إعادة تقييمها جذرياً في ضوء ما قد يترتّب عليه من تآكل في المكانة الدولية الأميركية وتراجع القدرة على حماية المصالح، خصوصًا في الشرق الأوسط؟
في المحصّلة، لا يعود الأمر مجرّد تحالف، بل عملية انتقالٍ صامتة عبر استثمار القوة حتى حدودها القصوى، ثم وراثتها بعد إنهاكها. إنها حرب لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تخلّفه من استنزاف للهيبة واستهلاك للمقدّرات ومحو تدريجي للنفوذ.
وهنا يتجلّى المعنى العميق للمثل اللبناني: «من ربّى الغول أكَله». فالقوة التي تُغذّى حتى تتضخّم قد لا تبقى أداةً إلى الأبد، بل تسعى – حين تشتدّ – إلى وراثة من صنعها، بعد أن يكون قد استُهلك في حروبها واستُنزف في معاركها.
وفي استحضارٍ دلالي، جاء في النص القرآني: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً». وإذا كانت الدول تُقاس بسلوكها لا بتحالفاتها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتعظ الولايات المتحدة قبل أن تترسّخ نتائج هذا المسار، أم يأتي إدراكها متأخّراً حين لا يعود التدارك ممكناً؟
#مرايا_الدولية



