لبنان

مشروعية الامتحانات وسط النزوح والاضطراب

استمرارية المرفق التربوي بين القانون وحقوق المتعلمين

نشرت المفتش العام التربوي د فاتن جمعة على صفحة المفتش العام التربوي _ التفتيش التربوي:

تُعدّ الامتحانات الرسمية من أبرز مظاهر انتظام المرفق العام التربوي ، لما تمثله من أداة لتقييم التحصيل العلمي وضمان المساواة بين المتعلمين وضمان المستوى التعليمي لدى الانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى. غير أنّ مشروعية تنظيم هذه الامتحانات لا تُقاس فقط بوجود نص قانوني يجيز إجراءها أو بتمسّك الإدارة بمبدأ استمرارية المرفق العام والحفاظ على مستوى التعليم، بل تمتد لتشمل مدى مراعاة الإدارة للظروف الواقعية والإنسانية والاجتماعية التي تحيط بالمتعلمين، ولا سيما في الظروف الاستثنائية الناتجة عن الحروب أو الكوارث أو حالات النزوح الجماعي.

فالقاعدة في القانون الإداري أن الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في تنظيم المرافق العامة، ومنها المرفق التربوي، إلا أنّ هذه السلطة ليست مطلقة، بل تبقى خاضعة لمبادئ المشروعية والعدالة والمساواة والتناسب، فضلاً عن خضوعها لرقابة القضاء الإداري عند الانحراف في استعمال السلطة أو إساءة تقدير الوقائع. ومن الثابت أنّ مبدأ استمرارية المرفق العام يشكل أحد المبادئ الأساسية التي تحكم عمل الإدارة، إذ لا يجوز تعطيل المرافق العامة بصورة تؤدي إلى شلل الحياة العامة أو المساس بحقوق المواطنين. إلا أنّ تطبيق هذا المبدأ في المجال التربوي يجب أن يتم بصورة متوازنة تراعي الواقع الإنساني والاجتماعي للعملية التعليمية، باعتبار أنّ التعليم ليس مجرد إجراء إداري أو تنظيمي، بل حق أساسي يرتبط بكرامة الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي.

وعليه، فإنّ إجراء الامتحانات الرسمية في ظروف استثنائية تتسم بالنزوح والدمار وفقدان الأمن والاستقرار يطرح إشكالية قانونية دقيقة تتمثل في مدى قدرة الإدارة على تحقيق الموازنة بين متطلبات استمرارية التعليم وإجراء الإمتحانات وبين واجبها في حماية المتعلمين وضمان سلامتهم وكرامتهم وتكافؤ الفرص بينهم . فالمساواة في الامتحانات لا تعني فقط إخضاع جميع الطلاب لامتحان موحّد في الشكل والمضمون، بل تقتضي أيضاً توافر حد أدنى من تكافؤ الظروف التي تسمح بخوض هذا الامتحان بصورة عادلة. إذ لا يمكن تجاهل الفوارق الجوهرية بين طالب يعيش في بيئة مستقرة ويتمتع بإمكانات تعليمية ونفسية طبيعية، وآخر فقد منزله أو مدرسته او احد افراد عائلته أو تعرّض للنزوح أو الانقطاع القسري عن التعليم أو يعيش تحت تأثير الخوف والاضطراب النفسي الناتج عن ظروف الحرب.

ومن هنا، فإنّ الإدارة تكون مطالبة، عند اتخاذ قرار إجراء الامتحانات الرسمية في ظروف استثنائية، بإعمال مبدأ التناسب، أي اختيار التدابير التي تحقق المصلحة العامة بأقل قدر ممكن من الأضرار الواقعة على الأفراد. فالمصلحة العامة لا تتحقق فقط بالحفاظ الشكلي على المواعيد والإجراءات، بل أيضاً بضمان عدالة التقييم وصون الحق بالتعليم بصورة فعلية وإنسانية.

كما أنّ نظرية الظروف الاستثنائية في القانون الإداري، وإن كانت تمنح الإدارة صلاحيات أوسع لمواجهة الأزمات، إلا أنّ غايتها الأساسية تبقى حماية النظام العام والحقوق الأساسية للأفراد في آنٍ معاً، لا تحميلهم أعباء إضافية تفوق قدرتهم على الاحتمال. وبالتالي، فإنّ الإدارة في الظروف الاستثنائية تكون ملزمة قانوناً وأخلاقياً بتكييف قراراتها مع الواقع القائم، عبر اعتماد حلول مرنة تراعي مصلحة الطلاب النفسية والتربوية والاجتماعية. فالقرار الإداري الذي يُتخذ بمعزل عن واقع الحرب والنزوح والدمار وفقدان الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي، يفقد جانباً أساسياً من مشروعيته المرتبطة بحسن استعمال السلطة وتحقيق المصلحة العامة الحقيقية.

إنّ الإدارة الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض انتظام المرفق العام، بل أيضاً بقدرتها على التكيّف الإنساني والقانوني مع الأزمات. فكلما اقترب القرار الإداري من الواقع الاجتماعي والإنساني للناس، ازدادت مشروعيته وقبوله، وترسخت الثقة بالإدارة العامة التي وجدت لخدمة الإنسان وعليه، فإنّ مشروعية إجراء الامتحانات الرسمية في الظروف الاستثنائية تبقى مرتبطة بمدى احترام الإدارة لمبادئ العدالة والتناسب والمساواة الواقعية وحماية الحق بالتعليم، بحيث لا تتحول استمرارية المرفق العام إلى غاية شكلية منفصلة عن الظروف الإنسانية التي يفترض بالإدارة أن تراعيها عند ممارسة سلطتها التقديرية.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى