أفصح غالب أبو زينب، عضو المجلس السياسي في حزب الله، عن مستجدات لافتة تشير إلى اقتراب طهران وواشنطن من إبرام تفاهم مشترك، مؤكداً أن
هذا التطور المرتقب سيشكل الحجر الأساس الذي ستعتمد عليه مفاوضات الستين يوماً القادمة. وأوضح أبو زينب أن هذا المسار لا يخلو من العقبات؛ إذ تبرز ملفات بالغة التعقيد والتشابك في طريق إتمام هذا الاتفاق، وتأتي القضية النووية على رأس تلك الأولويات الشائكة، ورغم ذلك، فإن المؤشرات العامة تدل على أن المشهد الإقليمي يتجه نحو التهدئة وخفض حدة المواجهات المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الآونة المقبلة.
وفي قراءته للتطورات الميدانية الأخيرة، شدد المسؤول السياسي على أن الهجمات التي طالت العاصمة بيروت لم تكن مجرد حدث عابر، بل مثلت خطوة مشتركة من جانب واشنطن وتل أبيب لاستقراء الموقف الإيراني واختبار مدى تمسك طهران بدعم الساحة اللبنانية أو احتمال تراجعها عنها. ولفت إلى أن الشق المتعلق بلبنان كان يمثل واحداً من أبرز العوائق التي عطلت استكمال هذا التفاهم الدولي، كاشفاً في الوقت ذاته عن أن الإيرانيين أبلغوا قيادة الحزب بأن كافة التفاصيل والترتيبات المرتبطة بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار قد تم طرحها ومناقشتها ضمن “مسار إسلام آباد”، وهو المسار الذي عاد الجانب الأمريكي ليربط الملف به مجدداً بعدما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري رفضه للمسودة التي طُرحت في واشنطن.
وبالانتقال إلى الملف الداخلي، شنّ أبو زينب هجوماً حاداً على الأداء الرسمي، واصفاً التفاهم الذي عاد به رئيس الجمهورية والوفد المفاوض من العاصمة الأمريكية بأنه اتفاق سيئ للغاية، ولا يعدو كونه إملاءات أمريكية وإسرائيلية فُرضت فرضاً على المفاوض اللبناني، معتبراً أن رئيس الجمهورية ومعه الرئيس سلام يمارسان نوعاً من التضليل السياسي على الرأي العام. وأضاف أن صيغة واشنطن تفتقر إلى الشمولية والتكامل، بل إنها تمنح الجانب الإسرائيلي غطاءً للتصرف بحرية، حيث اشترطت المسودة انسحاب عناصر المقاومة من المناطق الجنوبية دون أن يقابل ذلك أي انسحاب لقوات الاحتلال، فضلاً عن أن بند وقف العمليات العسكرية في تلك الصيغة كان يتيح للإسرائيليين حرية الحركة والتدخل في شتى أنحاء لبنان.
وانتقد عضو المجلس السياسي لغة التحذير التي استعملها رئيس الجمهورية حين اعتبر هذا الاتفاق بمثابة “الفرصة الأخيرة”، معتبراً أن هذا الأسلوب ينطوي على تهديد مبطن للحزب باستخدام البعبع الإسرائيلي لإجبارهم على القبول بوضع يوازي الموت بدم بارد. وجدد التأكيد على أن حزب الله لم يضع في أي وقت من الأوقات فيتو على مبدأ التفاوض أو فكرة وقف إطلاق النار، لإدراكه التام بأن الحروب تجد نهاياتها دائماً على طاولات الدبلوماسية، إلا أن نقطة الخلاف الجوهرية تكمن في آليات هذه المفاوضات ومضامينها المجحفة التي تعكس استسلاماً تاماً للإرادة الأمريكية، في حين يفترض بموقع رئاسة الجمهورية أن يكون مظلة راعية ومحامية لجميع المكونات اللبنانية بلا استثناء.
ووصف أبو زينب السلوك السياسي المتبع من قِبل رئاسة الجمهورية في إدارة هذا الملف بأنه يثير الكثير من الريبة والشك، واصفاً المعضلة بأنها تقع بين أمرين كلاهما مر؛ فإما أن الرئاسة لا تستوعب حجم المخاطر المحدقة بالبلاد وهذه تمثل كارثة حقيقية، وإما أنها سلمت أوراقها بالكامل للجانب الأمريكي وتجد نفسها عاجزة عن نقاشه ومراجعته وتلك كارثة أشد خطورة. وذكّر المسؤولين بأن القواعد البديهية وأبجديات التفاوض في الصراعات ترتكز دائماً على مبدأ التكافؤ عبر طرح “انسحاب مقابل انسحاب”، مشيراً إلى أنه ليس من حق رئيس الجمهورية تقديم تنازلات مجانية لصالح الاحتلال، حتى وإن كان هناك انقطاع فعلي في قنوات التواصل المباشر بينه وبين قيادة حزب الله في هذه المرحلة.
وتابع موضحاً أن وضع المقاومة والشعب أمام خيارين إما القبول بالشروط أو تحمل المسؤولية، هو بمثابة منح الضوء الأخضر للاحتلال الإسرائيلي ليستمر في عمليات القتل بحرية، ودفعٍ نحو تفجير معركة داخلية مع البيئة الشعبية. وطالب رئيس الجمهورية بضرورة القيام بمراجعة شاملة وعاجلة لمواقفه السياسية الحالية، مشيداً بدور رئيس مجلس النواب ومؤكداً أنه لولا التدخل الحاسم والرادع من الرئيس نبيه بري لكانت البلاد قد انزلقت نحو كارثة محققة.
وفي ختام تصريحاته، شدد أبو زينب على الحاجة الملحة لوجود رعاية ومظلة عربية وازنة لأي تفاهمات مستقبيلة، وخص بالذكر المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، نظراً لأن الجانب الأمريكي لا يمكن الوثوق به أو اعتباره ضامناً وحيداً للاتفاقات. وأعاد التأكيد على أن الرئيس نبيه بري يظل هو القناة والركيزة الأساسية في عملية التفاوض، ومن خلاله تمر كافة التفاصيل والجزئيات، وأن كل التوجهات والمطالب التي يتبناها حزب الله يتم تنسيقها بدقة ومستمر عبره وبواسطته أيضاً.
#مرايا الدولية



