لبنان

حين تتحول العدالة التربوية إلى ظلم بحق الطلاب

منير حرب يفكك أبعاد القرار التربوي الجديد

كتب الباحث منير حرب

اعتاد اللبنانيون، منذ عقود، على قاعدة واضحة في نظام الشهادات الرسمية: النجاح في المرحلة الثانوية لا تحدده المدرسة، بل تحدده الامتحانات الرسمية التي تنظمها وزارة التربية. أما الامتحانات المدرسية الداخلية، سواء في المدارس الرسمية أو الخاصة، فكانت مجرد محطة تنظيمية لا أثر لها على مصير الطالب في الشهادة الرسمية.

هذه الحقيقة صنعت واقعاً يعرفه كل من دخل الصف الثالث الثانوي، آلاف الطلاب كانوا يتعاملون مع امتحانات الفصل الأول والثاني على أنها محطات ثانوية، وبعضهم لم يكن يتقدم إليها أصلاً، لأن المعيار الوحيد الذي يرسم مستقبله كان ورقة الامتحان الرسمي.

وعندما عصفت الأزمات بلبنان، من الحرب الأهلية إلى الأزمات السياسية، مروراً بإضراب الأساتذة عام 2014 الذي أدى إلى إلغاء الامتحانات الرسمية، ثم جائحة كورونا عام 2020، لم تلجأ وزارة التربية يومها إلى تحويل العلامات المدرسية إلى معيار للنجاح. بل كانت تمنح إفادات نجاح لجميع الطلاب، إدراكاً منها أن العلامات الداخلية ليست أساساً قانونياً أو تربوياً للحكم على استحقاق الشهادة الرسمية، ولأن ظروف المدارس تختلف جذرياً في أساليب التصحيح والتقييم ومستوى التشدد والتساهل.

اليوم، يبرز نهج مختلف تماماً. فقد اعتمدت وزيرة التربية، ، على نتائج الفصل الأول، أي النتائج التي سبقت الأول من آذار، باعتبارها المعيار الذي يُبنى عليه مصير الطلاب، تحت عنوان “تحقيق العدالة التربوية”.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي عدالة هذه؟

كيف يمكن اعتبار امتحانات لم يكن الطلاب يتعاملون معها أصلاً على أنها امتحانات مصيرية، معياراً وحيداً لتحديد مستقبلهم؟

ألم تكن وزارة التربية نفسها، عبر عقود، ترسخ في أذهان الطلاب أن الامتحان الرسمي هو الفيصل الوحيد؟

كيف يتحول امتحان كان يُنظر إليه على أنه داخلي وغير حاسم، إلى امتحان يحدد النجاح أو الرسوب، من دون أي إنذار مسبق أو تعديل في قواعد اللعبة؟

إن العدالة لا تتحقق بتغيير القواعد بعد انتهاء المباراة. والإنصاف لا يكون بمحاسبة الطلاب على أساس لم يُطلب منهم أساساً أن يبنوا عليه مستقبلهم.

إن أخطر ما في هذا القرار أنه يعاقب جيلاً بأكمله وفق معايير لم تكن قائمة عندما جلس هؤلاء الطلاب في قاعات الامتحانات المدرسية. فالطالب الذي لم يهتم بالفصل الأول، أو الذي لم يتقدم لبعض امتحاناته، فعل ذلك استناداً إلى عرف تربوي استمر لعشرات السنين، لا نتيجة إهمال أو تقصير متعمد في امتحان كان يعلم أنه سيحدد مصيره.

إن أي سياسة تربوية تُبنى على تغيير القواعد بأثر رجعي، مهما كانت نواياها، تثير تساؤلات عميقة حول مفهوم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء برفع شعار “العدالة التربوية”، بل الإجابة بوضوح عن سؤال بسيط: لماذا خالفت الوزارة كل السوابق التي اعتمدتها الدولة اللبنانية في الظروف الاستثنائية السابقة؟ وما الذي يبرر اعتماد معيار لم يكن يوماً أساساً للنجاح في الشهادة الرسمية؟

إن مستقبل آلاف الطلاب لا يحتمل الاجتهاد، ولا يجوز أن يُبنى على قواعد استُحدثت بعد وقوع الحدث. فالعدالة ليست شعاراً يُرفع، بل هي التزام بثبات المعايير واحترام الثقة التي بناها الطلاب عبر عقود مع نظام الامتحانات الرسمية اللبناني.

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى