لبنان

العماد رودلف هيكل.. بوصلة الجيش لحماية لبنان

معركة العديسة عقيدة راسخة ترفض الفتنة الداخلية

كتب علي شفيق مرتضى

في الثالث من آب عام 2010، حاول العدو الإسرائيلي قطع شجرة داخل الأراضي اللبنانية في خراج بلدة العديسة. قد يظن البعض أن الأمر يتعلق بشجرة، لكنه في الحقيقة كان يتعلق بالسيادة الوطنية. يومها، لم يسأل الجيش اللبناني عن ميزان القوى، ولم يحسب عدد الدبابات والطائرات التي يمتلكها العدو، بل سأل سؤالاً واحداً: هل هذه أرض لبنان؟ ولما كان الجواب نعم، كان الرد بالنار.

سقط للعدو قتلى وجرحى، وارتقى من الجيش اللبناني الشهيد الرقيب أول شربل قزي، وأصيب عدد من العسكريين. لكن الأهم من نتائج المعركة العسكرية، أنها قدمت درساً لكل جيوش المنطقة: إن قرار المواجهة لا يحتاج إلى توازن في القوى بقدر ما يحتاج إلى إرادة قوية، وعقيدة راسخة، وإيمان لا يتزعزع بحق الدفاع عن الأرض والسيادة. فمن يقاتل دفاعاً عن شجرة، لن يفرط بتراب وطن، ولن يساوم على كرامة شعب.

هذه هي العقيدة القتالية للجيش اللبناني، قيادةً وضباطاً ورتباء وأفراداً. عقيدة لم تُكتب في المكاتب، بل صاغتها دماء الشهداء على الحدود وفي مواقع الشرف. جيشٌ وُجد ليحمي لبنان، بشراً وحجراً وشجراً، لا ليكون أداة في الصراعات السياسية الداخلية، ولا وسيلة لتحقيق أجندات هذا الفريق أو ذاك.

وفي هذه المرحلة الدقيقة، يبرز اسم العماد رودلف هيكل بوصفه قائداً للجيش اللبناني يدرك حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه. فمن خلال مواقفه وإدارته للمؤسسة العسكرية، أكد أن الجيش سيبقى مؤسسة وطنية جامعة، وأن حماية السلم الأهلي لا تقل أهمية عن حماية الحدود، وأن الجيش لن يُستدرج إلى فتنة داخلية تمزق الوطن وتخدم أعداءه.

لقد أثبت العماد رودلف هيكل أن القيادة ليست إطلاق مواقف شعبوية، بل امتلاك الحكمة ساعة الأزمات، والثبات ساعة الضغوط، والقدرة على حماية المؤسسة العسكرية من محاولات جرّها إلى ساحات الانقسام. وفي زمن كثرت فيه الحسابات الضيقة، بقي الجيش، بقيادته، متمسكاً بالقسم الذي أداه أمام العلم اللبناني، لا أمام أي جهة سياسية.

أما المؤسف، فهو إصرار بعض الساسة على التعامل مع الجيش وكأنه أداة لتنفيذ مشاريعهم السياسية لإتفاقات مشبوهة، أو محاولة الزج به في انقسامات داخلية لا تخدم إلا من يريد إضعاف لبنان. إن تحويل المؤسسة العسكرية إلى طرف في السجالات السياسية، أو تحميلها مسؤولية تنفيذ خيارات خلافية، لا يخدم الدولة، بل يهدد وحدة المؤسسة التي شكلت على الدوام صمام أمان للبنان.

إن حماية الجيش من الاستقطاب السياسي ليست خدمة للمؤسسة العسكرية فحسب، بل حماية للبنان كله. فكل خطاب يدفع باتجاه مواجهة بين أبناء الوطن، أو يسعى إلى إقحام الجيش في نزاعات داخلية، هو خطاب يزيد الانقسام ويضعف الجبهة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية.

لقد علمتنا العديسة أن الجيش لا يحتاج إلى تفوق عددي أو تقني ليحمي وطنه، بل يحتاج إلى رجال يؤمنون بلبنان، وإلى قيادة تعرف أن شعار “شرف، تضحية، وفاء” ليس زينة تُكتب على الجدران، بل عهدٌ يُصان بالدم.

سيبقى الجيش اللبناني المؤسسة التي يلتقي عندها اللبنانيون، وسيبقى العماد رودلف هيكل، في نظر كثيرين، نموذجاً للقائد الذي رفض الانجرار إلى الفتنة، وتمسك بوحدة المؤسسة العسكرية، وحافظ على السلم الأهلي، لأن قوة الجيش ليست في سلاحه وحده، بل في وحدته، وفي عقيدته الوطنية، وفي وضوح بوصلته التي لا ترى في الدفاع عن لبنان خياراً، بل واجباً لا يقبل المساومة.

ومن هنا، يخطئ من يعتقد أن الجيش اللبناني يمكن أن يُزج في ملفات الانقسام الداخلي، أو أن يتحول إلى أداة لتنفيذ رغبات أي جهة سياسية. وفي هذا السياق، يبرز إصرار بعض الساسة على محاولة إدخال المؤسسة العسكرية في الجدل الدائر حول سلاح المقاومة، وكأن المطلوب من الجيش أن يكون طرفاً في نزاع داخلي، لا حامياً لوحدة الوطن.

إن من يرى في المقاومة عنصر قوة أساسي للبنان يعتبر أن الزج بالجيش في هذا الملف لا يخدم المؤسسة العسكرية ولا الاستقرار الوطني، بل يضعها في مواجهة انقسامات داخلية هي في غنى عنها، ويصرف الأنظار عن المهمة الأساسية التي وُجد الجيش من أجلها: حماية الحدود، وصون السيادة، ومنع أي اعتداء على لبنان.

وهنا تتجلى حكمة العماد ، الذي يدرك أن الجيش اللبناني أكبر من أن يكون أداة في بازار السياسة، وأسمى من أن يُستخدم لتصفية الحسابات بين القوى الداخلية. فالمؤسسة العسكرية ليست جيش سلطة، بل جيش وطن، ولا يجوز أن تُستدرج إلى معارك يريدها بعض السياسيين، فيما يبقى العدو الإسرائيلي هو التهديد الخارجي الذي لا ينبغي أن تغيب عنه البوصلة الوطنية.

لقد أثبت العماد رودلف هيكل أن القائد الحقيقي هو من يحفظ وحدة المؤسسة العسكرية، ويرفض كل ما من شأنه زرع الفتنة بين اللبنانيين أو دفع الجيش إلى الاصطفاف في مواجهة أي مكوّن من مكونات المجتمع. فالحكمة في القيادة ليست ضعفاً، بل قوةٌ في اتخاذ القرار، وإدراكٌ بأن السلم الأهلي هو أحد أعمدة قوة لبنان، وأن حماية الجيش من الانقسام هي حماية للوطن بأسره.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى