شهدت العقود الماضية سباق تسلح بيولوجي خفي قادته إحدى أكثر البكتيريا فتكاً ومقاومة
للمضادات الحيوية في العالم، حيث نجحت في اختراق المستشفيات بصمت وبسط سيطرتها الوبائية عالمياً، وهو ما كشف عنه بحث علمي حديث.
قاد هذا الإنجاز فريق بحثي دولي تزعمته جامعة “إيست أنجليا” بالتعاون مع معهد “كوادرام” البريطاني وجامعات كندية ومكسيكية. ورجع العلماء إلى عينات مخبرية عتيقة منذ سبعينيات القرن العشرين لإعادة رسم التاريخ الوراثي لبكتيريا Acinetobacter baumannii، التي تمثل كابوساً للمنظومات الصحية نظراً لعنادها الشديد ضد العلاجات.
ولم تظهر هذه البكتيريا فجأة، بل كان ذلك نتاج عملية تطور وتكيف هادئة امتدت لأعوام طويلة، حيث راكمت طفرات وراثية صغيرة جعلتها في النهاية قادرة على صد جل المضادات الحيوية المتاحة.
وأوضح الدكتور بنيامين إيفانز، الباحث الأول في الدراسة، أن الميكروبات المسببة للأمراض تملك مرونة عالية في التكيف مع الأدوية مما يفقدها فاعليتها، مشيراً إلى أن الفريق ركز على هذا النوع تحديداً لكونه يتكاثر في بيئات المستشفيات ويسبب عدوى معقدة للمرضى الأكثر هشاشة. وأضاف أن فهم هذا التحول يعد خطوة جوهرية لتطويق انتشاره بعدما ظلت تحوراته غامضة لفترة طويلة.
وبيّنت الدراسة أن تطور البكتيريا حدث على شكل موجات متلاحقة أنتجت سلالات أكثر شراسة تدريجياً، مما يثبت أن هذا الكائن الخارق صُنع وتطور عبر عقود، وما زال قطار تحوره مستمراً.
وللوصول إلى هذه الاستنتاجات، فحص العلماء 226 عينة تاريخية (من السبعينيات حتى الألفينيات) وقاموا بزراعتها وسلسلة حمضها النووي بتقنية “أوكسفورد نانوبور”. ودمجوا هذه الجينومات مع أكثر من ألف جينوم حديث من ست قارات، وقارنوا 1281 كروموسوماً لبناء شجرة تطورية ومسح جينات المقاومة عبر الزمن.
وساهم ربط التحولات الجينية بالتواريخ والأماكن في تحديد وقت اكتساب البكتيريا لأسلحتها وكيفية تمددها، إذ زحفت تدريجياً حتى أصبحت بحلول عام 2005 السلالة الأكثر انتشاراً عالمياً. وتمثلت نقطة التحول الكبرى في التقاطها لعنصرين وراثيين، أبرزهما جين *oxa23* المسؤول عن إبطال مفعول المضادات الحيوية القوية، مما جعل القضاء عليها عسيراً جداً.
واستناداً إلى المعطيات، تنقسم البكتيريا إلى أربع مجموعات وراثية متمايزة؛ تسير ثلاث منها في نفق تطوري تدريجي، بينما تبرز المجموعة الرابعة كحالة شاذة ومقلقة تنشق بشكل مستقل وتظهر بتواتر متزايد حديثاً، مما ينذر بصعود متحور أحدث وأكثر تكيفاً.
ويختتم الباحثون بالتشديد على ضرورة استغلال هذه البيانات لتوجيه استراتيجيات استخدام الأدوية، محذرين من أن التقاعس عن ابتكار أساليب علاجية جديدة سيجعل الإصابات التي تسببها هذه البكتيريا مستعصية على الشفاء تماماً.
#مرايا الدولية



