تقنية

الغبار الكوني يحل لغز الهالة الشمسية

بيانات مسبار باركر تكشف أسرار حرارة الشمس

قدّم مسبار باركر الشمسي

تفسيراً فيزيائياً حديثاً يفكك شفرة واحدٍ من أعقد الألغاز الفلكية المتعلقة بنجمنا، حيث أشارت البيانات الحديثة إلى احتمالية كون الغبار الكوني هو العامل الأساس وراء الارتفاع الهائل في حرارة الغلاف الجوي الخارجي للشمس، لتبلغ ملايين الدرجات المئوية.

وتُعرف الهالة الشمسية بأنها ذلك النطاق الخارجي الباهت الذي يتراءى للمراقبين خلال ظاهرة الكسوف الكلي، وهي تتألف في بنيتها من بلازما غاز متأين تسجل درجات حرارة تتخطى حاجز المليون درجة فهرنهايت ما يعادل تقريباً خمسمائة وخمسة وخمسين ألفاً ونصف ألف درجة مئوية، وفي المقابل، فإن النطاق السطحي المرئي للنجم الذي يُطلق عليه الغلاف الضوئي لا تتجاوز درجة حرارته حاجز تسعة آلاف وتسعمائة واثنين وثلاثين درجة فهرنهايت أي قرابة خمسة آلاف وخمسمائة درجة مئوية.

وقد شكّل هذا التفاوت الحراري الكبير والمفاجئ معضلةً علميةً حيرت الباحثين على مدى عقودٍ متتالية، إذ تمحور التساؤل المستمر حول الكيفية التي تسمح لطبقةٍ فضائيةٍ أكثر بعداً عن مركز النجم بأن تفوق في سخونتها مصدر الطاقة الحرارية نفسه.

ولكن، وعبر الاعتماد على المعطيات التي رصدها مسبار باركر الشمسي التابع لوكالة ناسا الفضائية، والذي حقق إنجازاً غير مسبوقٍ بالاقتراب من النجم لمسافةٍ بلغت ملايين الكيلومترات فقط، نجح فريقٌ علميٌّ بقيادة الباحث سيد أياز من جامعة ألاباما الواقعة في هانتسفيل، في التوصل إلى أن الجزيئات الدقيقة للغبار الكوني قد تمثل المفتاح الحقيقي لفك هذا الغموض.

وعلى الرغم من افتقار المسبار لوجود جهازٍ مخصصٍ لالتقاط الغبار، إلا أنه مُزوّدٌ بأدواتٍ متطورةٍ قادرةٍ على رصد وتقييم الحقول الكهرومغناطيسية. وقد سجلت هذه الأدوات طفراتٍ فجائيةٍ حادة في مستويات الجهد الكهربائي، وهو ما عزاه المتخصصون إلى ارتطام حبيباتٍ غباريةٍ متناهية الصغر بجسم المركبة الفضائية بسرعاتٍ فائقة، مما أدى لتوليد سحاباتٍ من الجزيئات المشحونة كهربائياً.

كيف تسهم الحبيبات الغبارية في رفع حرارة النطاق الهالي؟

تتميز هذه الجسيمات الدقيقة للغبار بحملها لشحناتٍ كهربائية، مما يجعلها تتأثر وتتفاعل مباشرةً مع الحقل الكهرومغناطيسي المندفع رفقة الرياح الشمسية الخارجة من النجم. ويؤدي هذا التداخل بدوره إلى التأثير في تموجات البلازما التي تُعرف علمياً باسم موجات ألففين، وهي المسؤول الرئيس عن نقل الطاقة عبر طبقات الغلاف الجوي للشمس.

ويرى العلماء مسارين محتملين لكيفية صياغة الغبار لهذا التأثير الحراري على التموجات:

يعمل أثر الكتلة على إكساب البلازما قصوراً ذاتياً جموداً إضافياً، الأمر الذي يسمح لتدفقات الطاقة بقطع مسافاتٍ أكثر عمقاً وامتداداً داخل نطاق الهالة

يسهم أثر الشحنة في تقوية وتنشيط التفاعلات المتبادلة بين الجسيمات ذات الشحنة وبين الموجات، مما قد يتسبب في تحرير الطاقة وصرفها بشكلٍ أكثر تركيزاً وضغطاً في مواقع معينة لتتحول إلى طاقةٍ حرارية.

ويُعد الانضباط والتوازن الدقيق بين هذين الأثرين المتباينين هو المحرك الأساس الذي يحدد بدقة التوقيت والجغرافيا اللذين يتم فيهما وضع وتفريغ الطاقة داخل الهالة الشمسية. وبناءً على ذلك، فحينما تتركز هذه الطاقة في بقعٍ ونطاقاتٍ محددة، فإن معدلات حرارتها تقفز بصورةٍ ضخمة، وهو ما يمنح العلماء تفسيراً منطقياً لدرجات الحرارة الفائقة التي يتم رصدها.

ويؤكد الباحثون بناءً على هذه النتائج أن مشروعات استكشاف الشمس المستقبلية باتت ملزمةً بوضع العامل الغباري في الحسبان بصورةٍ أساسية، وذلك عبر تزويد المركبات بكواشف وتقنياتٍ مخصصة لتحليل وفحص سمات هذا الغبار في المناطق القريبة من النجم.

وفي الختام، يثير المجتمع العلمي تساؤلاً أكثر عمقاً واتساعاً: هل يقتصر دور هذا الغبار على كونه مجرد عنصرٍ عابرٍ يمر بمحيط النجم، أم أنه يمثل ركيزةً حيويةً ومحوراً رئيساً في عملية تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية إلى حرارةٍ وحركةٍ تدفع الرياح الشمسية؟

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى