تقنية

الذكاء الاصطناعي يهدد بصناعة فيروسات “مموهة

تقنية التزييف العميق تفتح باباً خطيراً في علم الأحياء

في تطور مقلق يجمع بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء

أصبح بإمكان التقنيات الحديثة تصميم فيروسات بيولوجية “مزيّفة” قادرة على خداع الجهاز المناعي وأنظمة الكشف على حد سواء، وفق تحذير أطلقه إريك نغوين، الرئيس التنفيذي لشركة “راديكال نيميريكس” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الحيوي.

وقد تحول هذا السيناريو النظري إلى واقع ملموس عندما نجح باحثون من جامعة ستانفورد، باستخدام نماذج ذكاء اصطناعي طوّرها نغوين، في ابتكار أول جينومات فيروسية وظيفية من الصفر، ونشروا نتائجهم في دورية “ساينس” العلمية المرموقة. ورغم أن الفريق بنى فيروسات تصيب البكتيريا فقط، وليس البشر، فقد أثبتوا قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد مسببات أمراض جديدة تتجاوز قدرات الدفاع البيولوجي الحالية.

يكمن جوهر الخطر في قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة ترتيب التسلسل الجيني للفيروس مع الحفاظ على وظيفته الخطيرة بالكامل، بحيث يصبح غير قابل للاكتشاف من قبل أنظمة الفحص الاصطناعية والطبيعية على حد سواء. يقول نغوين: “يمكن تصميم الحمض النووي ليعمل كفيروس، مع إخفاء أو تغيير ترتيب الأحرف عمداً، بحيث لا تستطيع أنظمة الكشف الحالية تمييز أنه فيروس سبق لها رؤيته”.

وهذا يعني أن فيروسات “التزييف العميق” البيولوجية لا تشبه أي فيروس عرفه الجسم من قبل، فتتسلل بسهولة عبر دفاعات الجهاز المناعي، دون أن تشبه أي نمط معروف سابقاً. إنها ليست مجرد فيروسات جديدة، بل فيروسات قديمة أعيدت كتابة شفرتها الجينية بطريقة تحافظ على ضراوتها مع تغيير بصمتها التعريفية تماماً.

في تجربة ستانفورد، قام الباحثون بتوليد مئات الجينومات المرشحة، وصنعوا منها 300 عينة في المختبر، ثم حولوا 16 منها إلى عاثيات بكتيرية نجحت في قتل بكتيريا الإشريكية القولونية. وقد حرصوا على حذف تسلسلات الفيروسات البشرية والحيوانية من بيانات التدريب، وأجروا التجارب في مرافق آمنة، لكن القدرة ذاتها تبقى مثيرة للقلق.

ويشير نغوين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي البيولوجية المدربة على توليد تسلسلات جديدة من البروتينات والحمض النووي يمكن استخدامها عمداً لتصميم كائنات تتجاوز أنظمة الكشف. وهو أمر يثير قلقاً متزايداً على مستوى الأمن القومي، خاصة أن القدرات التصميمية تتقدم بسرعة تفوق قدرات الدفاع البيولوجي المتمثلة في الكشف المبكر، والنسبة إلى المصدر، وتصنيع التدابير المضادة.

أما على الصعيد التنظيمي، فالقوانين الحالية غير كافية لمواجهة هذا التهديد. فالولايات المتحدة حظرت مؤخراً أبحاث اكتساب الوظيفة الممولة اتحادياً، لكن هذا الإطار صُمم لعالم يتمثل فيه التهديد في قيام عالم بتعديل فيروس موجود، وليس ذكاءً اصطناعياً يركب جينوماً جديداً تماماً. كما أن هذا الحظر يقتصر على التمويل الفيدرالي ولا يشمل القطاع الخاص، ولا يغطي سوى دولة واحدة فقط.

وقد علق باحثا الأمن البيولوجي توماس إنجلسباي وموريتز هانكي على الورقة قائلين إن القدرة على تركيب جينومات فيروسية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي موجودة الآن، لكن الحوكمة اللازمة لتوجيهها بشكل آمن غير متوفرة. فرغم أن هذه التقنية تحمل إمكانات هائلة في تصميم أدوية مخصصة ومضادات فيروسات عند الطلب، فإن سلبياتها قد تكون كارثية.

ويؤكد نغوين أنه مع استمرار هذا التفاوت بين القدرات الهجومية والدفاعية، لا خيار أمام العلماء سوى مواصلة تطوير هذه التقنية كإجراء وقائي ضد من قد يساء استخدامها، على أمل ابتكار دفاعات فعالة وسريعة بما يكفي لحماية البشرية عندما تبدأ أولى فيروسات التزييف العميق المصممة بالذكاء الاصطناعي بالانتشار. فالقدرة الأساسية على بناء نظام ذكاء اصطناعي قادر على تصميم أدوية جديدة بسرعة لمكافحة التهديدات المستجدة قد تكون السلاح الوحيد في مواجهة هذا الخطر الوجودي.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى