كشفت دراسة أمريكية واسعة النطاق عن
وجود ارتباط بين استخدام أدوية الستاتين، التي تُوصف عادةً لخفض مستويات الكوليسترول في الدم، وتراجع احتمالات الإصابة بالغلوكوما، المعروفة أيضاً باسم المياه الزرقاء، فضلاً عن انخفاض الحاجة إلى اللجوء إلى علاجات إضافية للسيطرة على المرض لدى المصابين به.
وأظهرت نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين يتناولون الستاتينات كانوا أقل عرضة للإصابة بالغلوكوما الأولية مفتوحة الزاوية بنسبة 15%، مقارنةً بالأشخاص الذين لا يستخدمون هذه الأدوية، ما يفتح المجال أمام مزيد من الأبحاث لاستكشاف العلاقة المحتملة بين خفض الكوليسترول وصحة العصب البصري.
وتُصنَّف الغلوكوما ضمن أبرز الأسباب المؤدية إلى فقدان البصر الدائم، إذ تتسبب في إلحاق أضرار بالعصب البصري، وقد يتطور المرض تدريجياً دون ظهور أعراض واضحة في مراحله الأولى.
وتكمن خطورته في أن التلف الذي يصيب العصب البصري لا يمكن عكسه، الأمر الذي يجعل الكشف المبكر والمتابعة الطبية عاملين أساسيين للحد من مضاعفاته.
وعلى الرغم من أن الاستخدام الأساسي للستاتينات يتمثل في خفض مستويات الكوليسترول وتقليل المخاطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فإن أبحاثاً سابقة طرحت احتمال امتلاك هذه الأدوية خصائص قد تساعد على حماية الخلايا العصبية.
وانطلاقاً من هذه الفرضية، اتجه الباحثون إلى فحص مدى ارتباط استخدامها بمعدلات الإصابة بالغلوكوما، فضلاً عن تأثيرها المحتمل في مسار العلاج لدى المرضى.
واعتمدت الدراسة على تحليل قاعدة بيانات ضخمة شملت معلومات أكثر من 165 مليون شخص، إذ أجرى الباحثون مقارنة بين أكثر من 210 آلاف شخص يستخدمون أدوية الستاتين ومجموعة مماثلة من حيث الخصائص تضم أكثر من 210 آلاف شخص لا يتناولونها، بهدف تقييم الفروق في معدلات الإصابة بالمرض على مدى خمس سنوات.
وأظهرت النتائج أنه خلال فترة المتابعة، شُخّصت حالات جديدة من الغلوكوما لدى نحو 2.3% من الأشخاص الذين استخدموا الستاتينات، في حين بلغت النسبة 2.6% بين الأشخاص الذين لم يستخدموا هذه الأدوية.
وتشير هذه الأرقام إلى انخفاض نسبي في معدل الإصابة لدى المجموعة الأولى، مع بقاء الفرق بين المجموعتين محدوداً من حيث النسبة المطلقة.
ولم تقتصر الدراسة على تقييم احتمالات الإصابة بالمرض، بل امتدت إلى بحث العلاقة بين استخدام الستاتينات والحاجة إلى تكثيف العلاج لدى الأشخاص الذين شُخّصوا بالفعل بالغلوكوما.
وفي هذا الجانب، حلل الباحثون بيانات أكثر من 30 ألف مريض مصاب بالغلوكوما ويتناولون الستاتينات، وقارنوها ببيانات نحو 250 ألف مريض مصاب بالمرض نفسه ولا يستخدمون هذه الأدوية، وذلك لتحديد ما إذا كان تناول الستاتينات يرتبط بانخفاض الحاجة إلى إجراءات علاجية إضافية مع مرور الوقت.
وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين استخدام الستاتينات وتراجع احتمالات تصعيد العلاج خلال السنوات الخمس التالية.
فقد انخفض خطر الخضوع لجراحات الغلوكوما التقليدية بنسبة 36% لدى مستخدمي هذه الأدوية، مقارنةً بغير المستخدمين لها.
كما رصد الباحثون انخفاضاً بنسبة 55% في الحاجة إلى إجراء جراحات الغلوكوما طفيفة التوغل، المعروفة اختصاراً باسم «MIGS»، وهي تدخلات جراحية تهدف إلى المساعدة في خفض ضغط العين والسيطرة على المرض، مع اعتماد أساليب أقل تدخلاً مقارنةً بالجراحات التقليدية.
وشملت النتائج أيضاً العلاج بالليزر الانتقائي، المعروف باسم «SLT»، إذ ارتبط استخدام الستاتينات بانخفاض الحاجة إلى هذا الإجراء بنسبة 60%.
ويُستخدم هذا النوع من الليزر للمساعدة في تحسين تصريف السوائل داخل العين وخفض ضغطها لدى المصابين بالغلوكوما.
وفي ما يتعلق بالعلاج الدوائي، أظهرت البيانات أن مستخدمي الستاتينات كانوا أقل حاجةً إلى استخدام قطرات العين المخصصة لخفض ضغط العين بنسبة 12%، وهو ما يعزز أهمية مواصلة دراسة العلاقة بين هذه الأدوية ومتطلبات العلاج لدى المصابين بالمرض.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن النتائج لا تعني أن الستاتينات تمنع الإصابة بالغلوكوما أو تؤدي بالضرورة إلى إبطاء تطورها، إذ إن الدراسة اعتمدت على رصد البيانات ومقارنة المجموعات، ولم تكن تجربة سريرية مصممة لإثبات أن الدواء هو السبب المباشر وراء انخفاض معدلات الإصابة أو الحاجة إلى العلاج.
وأوضح الباحثون أن النتائج التي توصلوا إليها تشير إلى وجود ارتباط بين استخدام الستاتينات وانخفاض معدل الإصابة بالغلوكوما الأولية مفتوحة الزاوية، إلى جانب تراجع الحاجة إلى تصعيد العلاج لدى المصابين بها.
وأكدوا أن التحقق من هذه النتائج يتطلب إجراء تجارب سريرية عشوائية مستقبلية، يمكن من خلالها تحديد ما إذا كانت الستاتينات تؤدي دوراً وقائياً مباشراً، أم أن الارتباط الذي رصدته الدراسة يعود إلى عوامل أخرى مرتبطة بالحالة الصحية للأشخاص المشاركين.
وبناءً على ذلك، لا توصي النتائج باستخدام الستاتينات للوقاية من الغلوكوما دون داعٍ طبي، ولا ينبغي للمرضى البدء بتناولها أو تغيير جرعاتها أو التوقف عنها اعتماداً على هذه الدراسة وحدها، بل يجب أن يظل استخدامها خاضعاً لتقييم الطبيب وفقاً للحالة الصحية لكل مريض.
#مرايا الدولية




