علي شفيق مرتضى
١٤ تشرين الأول ٢٠٢٥
لعل الصورة التي التقطتها “سِلفي” مع الشهيد أبو مصطفى جعفر قبل أيام قليلة من استشهاده كانت كفيلة بأن تعود بي الذاكرة إلى اليوم الأخير للحرب.
فقد كنت، لحظة استشهاد عائلة جعفر، على طريق جبيل / طرابلس عائداً إلى الهرمل من بيروت عن طريق القبيات، وأنوي فعلاً أن “أميل” كعادتي إلى منزل الشهيد، لكن قدر الله لم يشأ أن أُتوَّج بوسام الشهادة في ذلك اليوم، فكتب لي أن أكون شاهداً لا شهيداً.
فازدحام السير على طريق الروشة – عين المريسة، بسبب استهداف مدينة بيروت، كان كفيلاً بتأخيري عن الوصول بفارق ساعتين إلى منزل أبو مصطفى لحظة استشهاده.
الرواية
كنتُ أتردّد إلى بيروت أثناء الحرب الأخيرة على لبنان، نزحتُ من بلدتي الهرمل إلى القاع، البلدة الجارة التي فتحت ذراعيها كأمٍّ خائفة تحت وابل القصف.
هناك، في ليالي النزوح الطويلة، كنت أعدّ الأيام على أمل أن تضع الحرب أوزارها، وأن يعود القلب إلى بيته الأول، كان الوصول إلى العاصمة مغامرة تشبه تحدّي القدر.
الطريق المعتادة عبر بعلبك كانت خطّاً من لهب، فاخترت الطريق الجبلية عبر القبيات، طريقٌ طويلة، متعبة، لكنها آمنة نسبياً، وكأنّها تهمس للعابرين:
“اصعدوا إليّ، فالجبل وإن اشتدّ وعوره يبقى أرحم من طائراتهم.”
يمرّ الطريق بعدة قرى لآل جعفر، وآخرها كرم سباط، المحاذي لخراج القبيات، وهناك، عند آخر بيتٍ في امتداد قضاء الهرمل، كان بيت الشهيد أبو مصطفى جعفر يقف كجدارٍ من كرامةٍ في وجه الريح، يطلّ على الوديان والسماء، ويعلن أنّ هنا تبدأ الهرمل وتنتهي… وهنا تعتنق الأرض عكار.
كلّما مررتُ هناك، كنت “أميل لا إرادياً” نحو بيت أبي مصطفى، كأنّ القلب يُستدرج إلى دفءٍ يعرفه مسبقاً، وجهه المبتسم لا يغيب، كأنّ في عينيه وعداً قديماًبالأمان.
كان يستقبلني دائماً ببساطته الجبلية الأصيلة، بضحكته التي تُشبه رغيفًا خرج للتو من التنور، وبقلبٍ يتّسع للجميع.
في بيت أبي مصطفى لا مكان للرسميات، ولا للغُربة بين الناس، هناك، قرب “الصوبيا” التي تُشعل حرارتها قبل أوان الشتاء، كانت العائلة الصغيرة تجتمع حول الموقد كما يجتمع الورد حول النور.
زوجته، أحفاده، أصهرته، أقاربه… كلّهم في مشهدٍ واحدٍ من حنان الأرض، من دفء السلالة التي ما غادرت جذورها، كان البيت بسيطاً شامخاً كقاموع الهرمل، نقياً كينبوع عكار، عامراً بالحياة، لكن آلة القتل الصهيونية لا تعرف معنى الحياة، ولا تقدّس دفء العائلة.
في اليوم الأخير من الحرب، حين كانت السماء تتهيأ لابتلاع دويّ القنابل، قرّرت إسرائيل أن تُضيف سطرًا آخر إلى سجلّها الأسود.
سقط بيت أبو مصطفى بكامل دفئه على رؤوس أهله.
انطفأ الموقد الذي كان يوزّع الدفء، وتحوّل رماده إلى كفنٍ أبيض يغمر الأجساد الطاهرة.
استُشهد أبو مصطفى جعفر مع قسم من عائلته وأقاربه، بين شهيدٍ وجريحٍ وصداه لا يزال يتردّد في أرجاء الجبل، كأنّ الجبل نفسه انحنى يومها، وغطّى رأسه بعباءة الحزن.
ذلك البيت الذي كان الفاصل بين محافظتين، صار اليوم جسرًا من دمٍ يوصل بين الأرض والسماء.
لم يبقَ من “الصوبيا” إلا الحديد الملتوي، ولا من الجدران سوى ذاكرةٍ تعانق الهواء، لكنّ أرواحهم باقية، تحرس الطريق الجبلية، وتهمس لكلّ عابرٍ هناك:
“هنا كان بيتٌ يوزّع الدفء…
فلا تنسوا أنّ القصف الصهيوني لا يهدم بيتاً فحسب،
بل يطفئ شمعة عائلة كاملة، ويُطفئ جزءاً من قلب الوطن.”
سلامٌ على أرواحهم التي ما زالت تهمس في الجبل:
كنّا هنا، وسنبقى ما بقي الصدى.
#مرايا_الدولية



