لبنان

مرتضى: نقسم بالدم… لن يُعاد إنتاج الوهم

موقفٌ واضح بعد زمنٍ طويل من الصبر

كتب علي شفيق مرتضى:

نقسم بالدماء التي سالت… إننا لن نقبل أن يُعاد إنتاج الوهم بعد اليوم.

يتساقطون، لا كأسماءٍ في نشرات الأخبار، بل كأرواحٍ كانت بيننا، تمشي، تضحك، تحلم، وتُقسم أن لا تترك هذا الوطن يسقط. يتساقطون كورقٍ في مهبّ ريحٍ غاشمة، لكن الورق لا ينزف… وهم نزفوا ليبقى لبنان. لم يسألوا يوماً لمن يكون الوطن، ولا بحثوا عن طائفةٍ تحميهم، ولا عن منطقةٍ تختصرهم، بل اختاروا بدمائهم أن يحفظوا لبنان… كل لبنان. ومع ذلك، وببرودةٍ لا تشبه الدم، يخرج علينا من يحاول إعادة كتابة الحقيقة، من يتجاهل التضحيات، ويعبث بمعنى الدم الذي صان هذا البلد.

نقسم بعزة الله، وبلبنان من شماله إلى جنوبه، ومن بحره إلى جبله، نقسم بدموع الثكالى، وبصرخة الأخ الذي فقد أخاه، وبدمعة طفلٍ ينتظر أباً لن يعود، وبأبٍ حمل نعش ابنه وكأنه يحمل قلبه المكسور.

نقسم بالبيوت التي هُجّرت، بالجدران التي ما زالت تحفظ ضحكات أطفالها، بالنوافذ التي كانت تطل على صباحٍ آمن فأصبحت تطل على غياب، وبالحجر الذي شهد الحياة… ثم شهد كيف قُتلت.

نقسم بالأحياء التي مُسحت، بالطرقات التي كانت تعجّ بالحياة فأصبحت صدى، بالأبواب التي أُغلقت على عجل ولم تُفتح بعد. نقسم بالتهجير الذي كُتب على وجوه الناس، وبالنزوح الذي حملوه بصمت، وبأناسٍ خرجوا من بيوتهم ولم يحملوا إلا قلوبهم وذكرياتهم الثقيلة.

انتظروا النصر بلا شكوى ولا تذمّر ولا انكسار، وكأن الألم تفصيل، وكأن الصبر قدرٌ لا يُناقش. نقسم بالشرفاء الذين فتحوا بيوتهم قبل أبوابهم، الذين اقتسموا الخبز والوجع، الذين أثبتوا أن هذا الوطن ما زال فيه ما يستحق الحياة. ونقسم أيضاً بمن لفظتهم القلوب قبل الكلمات، بمن ضاقت صدورهم عن أهلهم، وبمن سقطوا من معنى الوطن قبل أن يسقطوا من عيون الناس.

لقد صبرنا طويلاً… أكثر مما يجب، وسامحنا كثيراً… أكثر مما يُحتمل، وتحمّلنا باسم “الشراكة” ما لم يكن يُحتمل أصلاً. لكن الحقيقة باتت واضحة: ليس كل من جلس إلى الطاولة شريكاً ولا كل من رفع شعار الوطن كان يوماً له. فالشراكة موقف… وثمن… ودم. ومن لم يدفع، لا يحق له أن يساوي نفسه بمن نزف. اليوم نقولها بوضوح يليق بالدم: انتهى زمن التعمية، انتهى زمن التغاضي، وانتهى زمن التساهل الذي كاد أن يتحول إلى ظلمٍ بحق أنفسنا.

هناك من خذل الفكرة قبل أن يخذل الناس، ومن هدم المعنى قبل أن يتحدث عنه، وخطرهم ليس في ابتعادهم… بل في محاولتهم البقاء بيننا. نقسم بالدماء التي سالت، وبالبيوت التي خلت، وبالمدن التي أُتعبت، وبالوجوه التي هَرِمت قبل أوانها، أننا لن نقبل بعد اليوم أي تساهل يعيد إنتاج الخيبة، ولا أي شراكة تُفرض تحت عناوين مضلِّلة. هذا موقفٌ واضح، وإعلان نهاية مرحلةٍ كاملة من التساهل السياسي.

من أراد الوطن فليكن بحجم تضحياته، ومن اختار موقعًا آخر فليتحمل اسمه كما هو، بلا تزوير ولا أقنعة. لبنان الذي حُفظ بالدم، وبالبيوت التي صمدت، وبالناس التي نزحت ولم تنكسر، لن يُسلَّم بعد اليوم لمن لم يعرف معنى الدم… ولا معنى البيت… ولا معنى الوطن.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى