بقلم التربوي أحمد البعريني
في وقت يرزح فيه القطاع التربوي الرسمي تحت أسوأ أزمة مالية وإدارية في تاريخه، ويعيش الأساتذة والموظفون حالة إذلال يومية نتيجة الرواتب الهزيلة وانعدام الحد الأدنى من العدالة الوظيفية، تنشغل وزيرة التربية ريما كرامي بتشكيل ما يشبه “الدولة الموازية” داخل الوزارة، عبر جيش من المستشارين والمتعاقدين الذين تدور حول توظيفهم علامات استفهام كبيرة تتعلق بالمحسوبيات واستغلال النفوذ وتجاوز الأطر القانونية والإدارية.
فبحسب معلومات متقاطعة من داخل وزارة التربية، جرى تكليف المدعو عماد جبوري برئاسة ما يسمى “وحدة التطوير والتحوّل التكنولوجي”، وهو منصب غير موجود أساساً ضمن الهيكلية الرسمية للوزارة، وبراتب يُقال إنه يبلغ نحو 14 ألف دولار أميركي شهرياً، رغم أنّ اختصاص الرجل الأساسي هو التسويق، وليس تكنولوجيا المعلومات أو الإدارة الرقمية أو النظم الحكومية.
الأكثر إثارة للريبة أن جبوري، الذي عمل لفترة قصيرة مديراً في مدرسة خاصة قبل سفره إلى إحدى دول الخليج وعودته مؤخراً، تحوّل فجأة إلى “العقل التكنولوجي” لوزارة التربية ومستشاراً أساسياً للوزيرة، في واحدة من أكثر التعيينات التي تطرح علامات استفهام حول معايير الكفاءة والشفافية.
لكن القضية لا تتوقف عند شخص واحد. فبحسب المعلومات، يقود جبوري فريقاً مؤلفاً من نحو 30 متعاقداً، يتقاضى كل منهم ما يقارب 3000 دولار شهرياً، وسط حديث واسع داخل الوزارة عن غياب شبه كامل لهذا الفريق عن الدوام، وعدم وجود مكاتب أو مقرات واضحة لهم داخل مبنى الوزارة أساساً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً بل وواجباً: أين هي إنجازات هذا الفريق الذي يُكلّف خزينة التربية ما يقارب مليون دولار سنوياً؟ وما هي المشاريع الرقمية أو الإصلاحات النوعية التي تبرر هذه الكلفة الخيالية في وزارة عاجزة حتى اليوم عن تأمين أبسط حقوق أساتذتها وموظفيها؟
أي منطق هذا الذي يجعل وزارة التربية تدفع آلاف الدولارات لمستشارين ومتعاقدين محسوبين على فريق الوزيرة، فيما الأساتذة المتعاقدون في التعليم الرسمي ما زالوا يطالبون برفع بدل الساعة التعليمية بضع دولارات فقط؟ أي عدالة إدارية تسمح بخلق طبقة مترفة داخل الوزارة، تعيش بالدولار الكامل، فيما موظفو الملاك “يلحسون التراب” برواتب فقدت قيمتها منذ سنوات؟
المفارقة الصادمة أن الوزارة التي تتحدث يومياً عن “الإصلاح” و”الحوكمة” و”التحول الرقمي”، لم تستطع حتى الآن إنتاج خطة شفافة واضحة تُعرض على الرأي العام حول طبيعة هذه التعاقدات، وآليات التوظيف، ومصادر التمويل، ومعايير الاختيار، وساعات العمل الفعلية، وآليات المحاسبة والتقييم.
بل إنّ ما يجري يعيد إلى الأذهان النموذج اللبناني التقليدي القائم على الزبائنية السياسية والأكاديمية، حيث تتحول المؤسسات العامة إلى مساحات نفوذ للمقربين والمحاسيب، تحت عناوين فضفاضة مثل “الاستشارات” و”التطوير” و”الدعم التقني”.
وفي هذا السياق، يطرح كثيرون تساؤلات إضافية حول الدور المتنامي لخريجي وموظفي الجامعة الأميركية في بيروت داخل فريق الوزيرة، خصوصاً أن ريما كرامي نفسها كانت موظفة سابقة في الجامعة. فهل نحن أمام عملية نقل غير معلنة لشبكات النفوذ الأكاديمي إلى داخل وزارة التربية؟ وهل أصبحت الوزارة تُدار بعقلية الحلقة الضيقة لا بعقلية المؤسسة العامة؟
إن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط الأرقام المتداولة، بل الرسالة السياسية والأخلاقية التي يجري تكريسها: في لبنان المنهار، هناك دائماً أموال للمحظيين… ولا أموال للأساتذة.
وفي الوقت الذي يُطلب فيه من المعلمين التضحية والصبر والعمل “رسالةً وطنية”، يبدو أن الرسالة الوحيدة التي تتقنها السلطة هي حماية شبكاتها الخاصة وتغذية منظومة المحسوبيات، حتى داخل أكثر الوزارات حساسية وتأثيراً على مستقبل البلاد.
إنّ ما يحتاجه القطاع التربوي اليوم ليس المزيد من المستشارين الوهميين ولا الوحدات المستحدثة خارج القانون، بل إدارة شفافة، وهيكلية واضحة، واحترام للكفاءات الموجودة أصلاً داخل الوزارة، وإنصاف فعلي للأساتذة والموظفين الذين ما زالوا يحملون التعليم الرسمي على أكتافهم رغم كل الانهيار.
أما استمرار الصمت حيال هذه التعيينات والتعاقدات، فلن يعني سوى أمر واحد: أن وزارة التربية تحولت من مؤسسة لإنقاذ التعليم إلى مساحة جديدة لتوزيع النفوذ والمغانم تحت ستار “التطوير والتحديث”.
#مرايا_الدولية



