صحة و جمال

تلوث الهواء يسرق القدرات الإدراكية بصمت

تأثير الجسيمات الدقيقة على صحة الذاكرة والعقل

يعاني الكثير من الأشخاص من نسيان الكلمات والحقائق بشكل متزايد

وتبين البحوث الطبية الحديثة أن الهواء الذي نتنفسه قد يكون السبب المباشر وراء ذلك. ففي كشف علمي يربط بين البيئة وصحة العقل، وجد باحثون من جامعة كاليفورنيا ديفيس بالتعاون مع شركة كايزر بيرماننتي للرعاية الصحية، أن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة الناتجة عن عوادم السيارات، والحرائق، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لا يدمر الرئتين والقلب فحسب، بل يسرق الذاكرة بصمت. وقد تابعت هذه الدراسة مستويات التلوث في منازل المشاركين على مدار نحو عشرين عاماً، وجاءت نتائجها مقلقة للغاية للعلماء وللمجتمع على حد سواء.

أظهرت النتائج تراجعاً حاداً في القدرات الإدراكية وسجلاً من الشيخوخة المبكرة ومصيدة الذاكرة الدلالية، حيث سجل الأشخاص الذين عاشوا في المناطق الأكثر تلوثاً تراجعاً يعادل ما يحدث طبيعياً خلال عشر سنوات كاملة من الشيخوخة. ووجد العلماء أن التلوث يستهدف تحديداً الذاكرة الدلالية، وهي الذاكرة المسؤولة عن تذكر الحقائق، والكلمات، والمعلومات العامة الأساسية للتواصل اليومي وفهم العالم، بينما لم تتأثر أنواع أخرى مثل الذاكرة العرضية التي تعنى بتذكر تجارب شخصية محددة، مما يثبت أن التدهور يضرب مناطق معينة في الدماغ وليس الذكاء العام للإنسان.

كما سلطت الدراسة الضوء على الفوارق العرقية وخطر مرض ألزهايمر، باعتمدها على بيانات تخص الأمريكيين من أصل إفريقي. وأظهرت الإحصائيات أنهم أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر والخرف بمقدار الضعف مقارنة بالبيض؛ ويعود السبب جزئياً إلى عيشهم بنسب أكبر في المناطق الأكثر تلوثاً، بجانب عوامل صحية أخرى كالسكري وضغط الدم، فضلاً عن تأخرهم في طلب الدعم الطبي ظناً منهم أن مشاكل الذاكرة جزء طبيعي من التقدم في السن.

ويبني هذا البحث على عقود من الدراسات التي تؤكد أن التلوث مشكلة عصبية أيضاً، حيث ربطت الجسيمات الدقيقة بظهور لويحات الأميلويد في الدماغ، وهي التكتلات البروتينية المميزة لمرض ألزهايمر، وحتى دخان حرائق الغابات الناتجة عن تغير المناخ تم ربطه بزيادة خطر الخرف، فكل نفس ملوث نأخذه قد يترك أثراً صامتاً يعيق قدرتنا على تذكر أسماء أحبائنا أو معاني الكلمات.

وفي المقابل، يمثل الوعي بطرق الوقاية طوق النجاة لكيفية حماية الذاكرة والعقل، فالخبر الجيد أن تلوث الهواء يعد عاملاً قابلاً للتعديل ويمكن التحكم فيه عبر السياسات والسلوك الفردي. وتشمل خطوات حماية النفس تجنب ممارسة الرياضة قرب الطرق المزدحمة في أوقات الذروة بجانب مسارات السيارات، واستخدام فلاتر الهواء المنزلية وتنقية الهواء داخل البيت مع إبقاء النوافذ مغلقة في الأيام التي ترتفع فيها نسب التلوث، بالإضافة إلى متابعة مؤشر جودة الهواء عبر التطبيقات لتقليل الأنشطة الخارجية في الأيام شديدة التلوث بناءً على التقارير الجوية، لأن كل نفس نقي تأخذه اليوم هو استثمار حقيقي في قوة ذاكرتك غداً.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى