لبنان

جشي ينقد اتفاق الإطار ويدعو للمفاوضات غير المباشرة

مقاومة تحذر والسيادة في الميزان

شهدت القراءة السياسية للتطورات الراهنة في المنطقة والعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي تمايزاً واضحاً في المواقف

حيث ألقى النائب حسين جشي كلمة حزب الله، معتبراً فيها أن الواقع الحالي يمثل تراجعاً وانتكاسةً حقيقية للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة برمتها. وأشار جشي إلى أن المخطط الأمريكي والإسرائيلي كان يستهدف بسط السيطرة الكاملة على المنطقة، وسط وعود بحسم المعركة وإنهاء الوضع القائم خلال أربعة أيام فحسب، يتبعها استسلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحقيق كامل أهداف الحرب المرسومة وقتئذٍ، غير أن هذه الحسابات باءت بالفشل وعاد أصحابها بخيبة أمل، مما دفعهم لتوقيع مذكرة تفاهم ترمي لإنهاء القتال.

وأوضح النائب جشي أن الكيان الإسرائيلي يسعى في الوقت الراهن للالتفاف على هذه المذكرة بعدما عجز تماماً عن إنجاز أي من الغايات التي وضعها، فهو لم يتمكن من تقويض الملف النووي الإيراني في ظل تواصل المسار التفاوضي، وعجز عن التخلص من الصواريخ الباليستية التي كان يرى فيها خطراً داهماً يهدده، مثلما فشل في إنهاء ما يُطلق عليه النفوذ الإيراني في المنطقة.

 دلالات المواجهة واختلال الحسابات الإسرائيلية

وتابع النائب جشي قراءته للمشهد مؤكداً أن العدو الإسرائيلي لم يحصد أي إنجاز يذكر. واعتبر أنه على الرغم من قيام العدو بقتل السيد القائد علي الخامنئي، فإن خروج الملايين إلى الشوارع في هذه الأيام يثبت أن هذا الفعل ساهم في إحياء ذكراه وترسيخها، مشبهاً ذلك بما حدث عند قتل الإمام الحسين عليه السلام قبل ألف وأربعمائة عام، حيث ظل ذكره حياً ومتجدداً. وأضاف جشي أن الأعداء استهدفوا الجسد فحسب، بينما بقي النهج واستمرت الروح حاضرين بقوة، وهو الأمر الجوهري في هذه المواجهة، واصفاً الأعداء بالغباء ومثنياً على الكرم الإلهي في هذا السياق.

وفي ذات الإطار، نبه النائب جشي إلى المحاولات الإسرائيلية المستمرة للتفلت من الاتفاق والعمل على تقويضه وتخريبه، مستغلاً في ذلك وجوده ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”. وأكد جشي أن المقاومة ليست في وارد منح الاحتلال أي ذريعة أو مبرر لتحقيق مآربه التخريبية، مشيراً إلى أنه بالرغم من الخروقات اليومية والاعتداءات المستمرة التي يشنها العدو، فإن المقاومة حريصة على عدم إعطائه الذرائع لإفشال الاتفاق الذي يلزم الطرف الآخر بوقف إطلاق النار والانسحاب الشامل والكامل.

وأعاد جشي التذكير بالمعادلة التي تم التأكيد عليها طوال الخمسة عشر شهراً التي سبقت الثاني من آذار، ومفادها أن الأوضاع لن تستمر على حالها وأن الصبر له حدود جازمة، مشدداً في الوقت عينه على أن المقاومة لن تتردد مطلقاً في القيام بواجب الدفاع عن الأرض والشعب، وفي مواجهة العدو وردعه عن غطرسته، على أن يتم ذلك في الأوقات والظروف الملائمة والمدروسة وبما يحول دون تخريب الاتفاق الذي يفرض على الاحتلال الخروج من الأراضي اللبنانية.

 نقد الأداء الحكومي واتفاق الإطار

أما في الشق المتعلق بأداء السلطة اللبنانية الرسمية ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللذين تبنيا ما عُرف بـ”اتفاق الإطار”، فقد وجه النائب جشي انتقادات حادة لهما. وتعقيباً على تبريرهما بأن هذا المسار يمثل الخيار الأقل كلفة على الدولة اللبنانية، توجه جشي بالخطاب قائلاً: “يا فخامة الرئيس، ويا دولة الرئيس، إن اتفاق إسلام آباد تضمن بنوداً صريحة وواضحة تقضي بوقف إطلاق النار وخروج العدو من كامل الأراضي اللبنانية، وبناءً على ذلك، ما هو المبرر والمسوغ القانوني أو السياسي للدخول في مفاوضات جديدة بعد هذا الإنجاز؟”

ودحض جشي الحجج التي سيقت ومفادها عدم الرغبة في أن يتفاوض الجانب الإيراني نيابة عن اللبنانيين، جازماً بأن الإيراني لم يمارس التفاوض بالنيابة عن أحد، بل كان يقدم يد العون والمساعدة؛ حيث جمد الجانب الإيراني الاتفاق الذي أبرمه مع الأمريكيين لأجل مصلحة لبنان، وأبدى استعداداً كاملاً لإغلاق مضيق هرمز وباب المندب مجدداً دعماً للبنان. وتساءل جشي مستنكراً عن الأسباب والدوافع وراء تقديم هذا التنازل المجاني للعدو الصهيوني ومبرراته.

وتساءل النائب جشي بكثير من الاستغراب عما حققه لبنان أو جناه فعلياً من اتفاق الإطار، وعن المكتسبات التي أمنها هذا الاتفاق للبلاد، واصفاً بند وقف إطلاق النار بأنه لا يمثل مكرمة أو إنجازاً لأقطاب السلطة الحالية، لكونه جاء نتاجاً مباشراً للضغوط الأمريكية التي مُرست على العدو الإسرائيلي، فضلاً عن كونه مدرجاً ومكفولاً بوضوح ضمن اتفاق إسلام آباد السابق، وبالتالي فلا فضل للسلطة في انتزاعه. واعتبر جشي أن اتفاق الإطار، على العكس من ذلك، قد منح العدو الصهيوني ذريعة ومسوغاً للبقاء والاستمرار فوق الأراضي اللبنانية، إذ إنه لم يتضمن أي نص صريح يلزمه بالانسحاب، بل أتاح له فرصة واضحة لتنفيذ استهدافات واعتداءات داخل نطاق ما يُسمى بالخط الأصفر، وعرقل بشكل مباشر عودة المواطنين اللبنانيين إلى قراهم وبلداتهم، خالصاً إلى أن السلطة قدمت كل شيء لإسرائيل في حين لم يقدم الإسرائيلي أي شيء في المقابل.

 التوازنات الشعبية ومسؤولية وحدة الصف

وواصل جشي حديثه مشيراً إلى أن رئيسي الجمهورية والحكومة معنيان دستورياً وأخلاقياً بحفظ السيادة الوطنية، غير أنهما فرطا بهذه السيادة عبر السير في اتفاق الإطار، كما أنهما معنيان بحماية أرواح اللبنانيين وممتلكاتهم وبيوتهم، في وقت يستمر فيه العدو الإسرائيلي يومياً بحصد أرواح المواطنين وتدمير أرزاقهم ومنازلهم مستظلاً بالغطاء الذي أمنه له اتفاق الإطار المبرم معه.

ورداً على تصريحات رئيس الجمهورية التي اعتبر فيها أن الغالبية العظمى من اللبنانيين تؤيد خياراته في هذا الاتفاق، قام النائب جشي بتذكير فخامته بالأرقام والوقائع الانتخابية، لافتاً إلى أن الثنائي الشيعي الوطني وحده قد نال في الانتخابات النيابية لعام 2022 ما نسبته ستة وثلاثون بالمئة من إجمالي أصوات المقترعين اللبنانيين، وهم جميعاً مواطنون لبنانيون أصلاء، يضاف إليهم بقية حلفاء المقاومة وحلفاء الثنائي الوطني، وهو ما يعني لغةً وأرقاماً وبحسب لغة الإحصاءات أن ما يزيد على نصف الشعب اللبناني لا يقفون خلف هذا التوجه ولا يؤيدون فخامة الرئيس ولا دولة الرئيس في هذا المسار. وشدد جشي على أن المسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق السلطة الحاكمة تكمن في تجميع المكونات وتوحيدها لا في إحداث الفرقة أو التقسيم، معتبراً أن الأداء الحالي ساهم في تفريق اللبنانيين ولم يجمع بينهم إطلاقاً.

الدعوة للتراجع وتفعيل الخيارات الناجعة

وأردف النائب جشي بالقول إن السلوك الحالي للسلطة أدى إلى تقسيم اللبنانيين وتجزئة البلاد، وبات يضع السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في دائرة الخطر الفعلي نتيجة هذا الأداء السياسي. ورغم كل التداعيات التي جرت, أكد جشي أن الفرصة ما زالت سانحة ومتاحة أمام الرئيسين للتراجع الفوري عن هذا المسار الخطير وتصحيح الخطأ. وتعقيباً على تساؤل رئيس الجمهورية ومطالبته بتقديم “حل آخر”، جزم جشي بأن الحل البديل متوفر وقائم بالفعل، متسائلاً عن أسباب العزوف عن العودة إلى خيار المفاوضات غير المباشرة التي أثبتت التجربة التاريخية نجاعتها الكبيرة في محطات عديدة أدارتها الدولة وحققت من خلالها مكاسب واضحة للبنان، مستشهداً بما جرى في الأعوام 1993، و1996، و2006، وصولاً إلى النجاعة التي أثبتتها ذات المفاوضات غير المباشرة في عام 2024، حيث كانت الدولة هي المفاوض دائماً وخرج لبنان محققاً للمكتسبات الوطنية، مستغرباً في الوقت عينه أسباب التسرع والاندفاع نحو مسار المفاوضات المباشرة.

ودعا النائب جشي بوضوح إلى ضرورة العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة، انسجاماً مع الرؤية التي يطرحها دولة الرئيس نبيه بري، خاصة وأن هذا الأسلوب أثبت كفاءته وحقق للبلد مكاسب متعددة في أكثر من مناسبة، مطالباً بالتراجع الشامل عن خيار المفاوضات المباشرة وعن سائر مفاعيل ما يُسمى باتفاق الإطار الذي تسبب في شرذمة الساحة اللبنانية عوضاً عن توحيدها، ومذكراً إياهم بأن المسؤولية الوطنية تحتم عليهم جمع الشمل لا تعميق الانقسامات، لا سيما وأن الأمور تجاوزت حدود التقسيم لتصل إلى حد تحول السلطة إلى طرف مصطف مع فئة لبنانية بعينها في مواجهة فئة أخرى من المواطنين.

وفي ختام كلمته، أكد جشي أن الفرصة ما زالت سانحة للتراجع عن القرارات والتوجهات التي تستهدف تجريم المقاومة ومحاولة وصمها بأنها مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، مشدداً على أن العمل المقاوم يمثل حقاً مشروعاً ومكفولاً تقره كافة الشرائع السماوية وتضمنه القوانين والمواثيق الدولية في مواجهة أي احتلال قائم. وجدد جشي الدعوة للسلطة بضرورة اغتنام الفرصة اليوم والتراجع عن قرار تجريم المقاومة، وعن خيار المفاوضات المباشرة، وعن اتفاق الإطار بمجمله، والتوجه بدلاً من ذلك نحو قنوات التفاوض الداخلي والتفاهم والتعاون المشترك والوحدة الوطنية، لكونها السبيل الوحيد للتصدي للاحتلال ولمواجهة سائر الاستحقاقات الداخلية الملحة، وصولاً إلى بناء وطن قوي ومقتدر، ودولة عادلة وقوية قادرة على ردع العدوان والإنصاف الفعلي لجميع مواطنيها.

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى