تخوض شركة “أبل” معركة قانونية شرسة ضد شركة “OpenAI”
حيث كشفت وثائق الدعوى القضائية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بما اعتبرته أبل خطة مدروسة ومنهجية للاستحواذ على بياناتها السرية الخاصة بالجيل القادم من أجهزتها الذكية. وتتمحور القضية حول مهندس سابق في فريق تطوير هواتف “آيفون” يُدعى تشانغ ليو، والذي انتقل للعمل لاحقاً في القسم الخاص بتطوير الأجهزة الناشئة لدى “OpenAI”.
ووفقاً لما أوردته شبكة “بلومبرغ” واطلعت عليه “العربية Business”، فإن أبل تتهم ليو بعدم الاكتفاء بنقل خبراته المهنية فحسب، بل إنه احتفظ أيضاً بجهاز حاسوب من نوع “ماك بوك” يخص الشركة بشكل غير قانوني. وأضافت الدعوى أن ليو استمر في الحصول على تقارير ومعلومات داخلية حساسة عبر موظفة ما زالت تعمل في أبل، مستغلاً في الوقت ذاته خللاً برمجياً أتاح له الدخول إلى خوادم حفظ الملفات المخصصة للموظفين، حتى بعد أن باشر عمله رسمياً في بيئته الجديدة لدى “OpenAI”.
وتضمنت أوراق القضية دليلاً يتمثل في رسالة نصية بعث بها ليو إلى زميلته السابقة أليسا بينغ، جاء فيها: “LOL، اكتشفت أن بإمكاني الوصول إلى خادم التخزين الشبكي، إنه لأمر مضحك”. وتؤكد أبل أن ليو استغل هذه الثغرة بالفعل للقيام بتحميل وثائق تشمل عروضاً تقديمية، ومخططات هندسية لتصميمات الأجهزة، وبيانات تصنيعية، بالإضافة إلى بروتوكول واختبارات الأداء، وكل ذلك جرى وهو على رأس عمله في “OpenAI”.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أشارت الشركة إلى أن بينغ قدمت تسهيلات لزميلها السابق للحصول على مزيد من البيانات والأسرار، قبل أن تلحق به هي الأخرى وتستقيل لتنضم إلى “OpenAI” في شهر أبريل الماضي. وتأتي هذه الخطوة في سياق حملة استقطاب واسعة شملت أكثر من 400 موظف من الكوادر السابقة لأبل، رغبةً من الشركة الناشئة في تعزيز فريقها لتطوير تقنيات وأجهزة معتمدة على الذكاء الاصطناعي، بهدف خلق منافس قوي وقادر على سحب البساط من هاتف آيفون مستقبلاً.
وشددت أبل في دعواها على أن هذه التصرفات لا تعد سلوكاً فردياً عفوياً، بل هي جزء من “جهد منهجي” ومنظم يهدف إلى سرقة ملكيتها الفكرية واستغلالها لتأسيس وتطوير قطاع الأجهزة لدى “OpenAI”. كما وجهت اتهامات صريحة للمنافسة بتحريض المرشحين للوظائف الذين لا يزالون يمارسون مهامهم في أبل على تصفح ومراجعة وثائق سرية للغاية قبيل خوض المقابلات الشخصية، بل وحثهم على جلب عينات مادية ونماذج أولية ومكونات تقنية دقيقة لاستعراضها ومناقشتها في جلسات عمل خاصة داخل أروقة “OpenAI”.
وفي المقابل، نفت “OpenAI” هذه الادعاءات جملةً وتفصيلاً، مؤكدةً في بيان رسمي أنها تحترم القوانين ولا تبدي أي اهتمام بالاطلاع على الأسرار التجارية والملكية الفكرية الخاصة بالمؤسسات الأخرى، مشيرةً إلى أن جل تركيزها ينصب حالياً ومستقبلاً على ابتكار تقنيات وحلول متطورة تخدم وتفيد المستخدمين في شتى أنحاء العالم.
وتعكس هذه الأزمة القضائية المشتعلة تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين الكيانين، إذ تحولت الشراكة الاستراتيجية الوثيقة التي كانت تجمع بينهما في قطاع برمجيات الذكاء الاصطناعي إلى منافسة تجارية حامية وعنيفة في سوق الأجهزة المبتكرة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويقف في عمق هذا الصراع مهندس أبل اللامع سابقاً، تانغ تان، والذي يتولى بالوقت الراهن قيادة وإدارة قسم الأجهزة والعتاد في “OpenAI”.
وتوضح المستندات الرسمية أن تانغ تان كان يدير مشروعاً واعداً وطموحاً بالتعاون مع مصمم أبل التاريخي الشهير جوني آيف، والمدير التنفيذي لشركة “OpenAI” سام ألتمان، بهدف ابتكار فئة جديدة كلياً من الأجهزة الذكية التي تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي لتكون البديل المستقبلي لهواتف آيفون. وقد توجت هذه الشراكة بتأسيس شركة تحمل اسم “io Products”، والتي سارعت “OpenAI” بالاستحواذ عليها بالكامل في العام الفائت بصفقة ضخمة بلغت قيمتها 6.5 مليار دولار.
وعبرت أبل عن قلقها البالغ تجاه استراتيجية التوظيف الهجومية التي تتبعها “OpenAI”، والتي ركزت بشكل أساسي على سحب أبرز قيادات قطاعات التصميم وتطوير العتاد والأجهزة لديها. ولم تتوقف هذه الحملة حتى شهر يونيو الماضي، عندما نجحت الشركة الناشئة في استقطاب المدير المسؤول عن مشروع تطوير النظارات الذكية داخل أبل.
واتهمت الدعوى القضائية المهندس تانغ تان باستغلال المقابلات الوظيفية كغطاء لجمع واستخلاص معلومات استخباراتية وتجارية حول الخطط المستقبلية لمنتجات أبل. وبيّنت الوثائق أن بعض الموظفين المتقدمين للعمل كانوا يتعمدون مراجعة تفاصيل مشاريعهم الداخلية الحالية قبل ساعات قليلة جداً من موعد المقابلة، ليقوم تانغ لاحقاً بطلب تفاصيل دقيقة ومعمقة حول تلك المشاريع أثناء النقاش معهم.
وزعمت أبل أيضاً أن إدارة “OpenAI” كانت تحث الموظفين المستقطبين على نقل وإرسال ملفات ومعلومات حساسة من أجهزتهم المحمولة التابعة لأبل إلى حساباتهم وبريدهم الإلكتروني الشخصي قبيل تقديم استقالاتهم الرسمية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ادعت أبل أن تانغ قام بإعداد وتوزيع وثيقة إرشادية تتضمن نصائح وتوجيهات لمساعدة الموظفين الجدد على تخطي آليات الرقابة وأنظمة الأمن السيبراني الداخلي لشركة أبل لتفادي كشف عمليات تسريب البيانات.
كما أفادت أوراق القضية بأن تانغ تان طلب في مناسبات عدة من المتقدمين للمقابلات إحضار قطع مادية ونماذج أولية ومكونات تقنية قيد التطوير، مثل لوحات إلكترونية وبطاريات خاصة، للاطلاع عليها. وأشارت الدعوى إلى شهادة أحد المرشحين الذي أعرب عن ذهوله وصدمته العميقة عندما شاهد أشخاصاً يجلبون معهم أجهزة سرية لم تُطرح للأسواق مطلقاً إلى مقر المقابلات، مؤكداً أنه شخصياً لم يكن يعلم أصلاً أن مثل هذه النماذج يسمح بإخراجها خارج أسوار ومكاتب أبل المغلقة.
وتأتي هذه الصدامات القانونية المتصاعدة في وقت مفصلي، حيث تواصل “OpenAI” ضخ استثمارات مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات لتعزيز قطاع تصنيع الأجهزة تمهيداً لطرح عام أولي مرتقب في البورصة، بينما تسابق أبل الزمن لتطوير باقة متكاملة من المنتجات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تشمل نظارات ذكية متطورة، وسماعات “AirPods” مزودة بكاميرات مدمجة، فضلاً عن جيل جديد من الأجهزة المنزلية، وهو ما ينبئ بأن الصراع بين الجانبين مرشح لمزيد من التصعيد والاشتعال في المستقبل القريب.
#مرايا الدولية



