دولي

ثورة تكنولوجية شاملة تعيد تشكيل وكالة الـCIA

راتكليف يعلن خطة جذرية لتوسيع الذكاء الاصطناعي

في أول ظهور علني بارز له منذ تقلد منصبه، أعلن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، جون راتكليف، عن

استراتيجية تحولية واسعة النطاق تعيد صياغة الوكالة من النواحي التقنية والتنظيمية والثقافية. وجاءت هذه الإعلانات المفصلية خلال خطاب ألقاه في قمة “أمازون ويب سيرفيسز” (AWS) بالعاصمة واشنطن، مسلطاً الضوء على مساعي الوكالة الحثيثة لمواجهة السباق التكنولوجي العالمي المحموم، وبشكل خاص مع الصين. ووفقاً لما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن التغييرات الراهنة تتجاوز مجرد دمج برمجيات الذكاء الاصطناعي، لتصل إلى إعادة تصميم البنية الرقمية الشاملة وتغيير آليات التعاقد وتسريعها.

ووصف راتكليف هذا المسار بأنه إعادة تشكيل أساسية وجوهرية لفلسفة الوكالة الاستخباراتية في التعاطي مع التكنولوجيا الرقمية، مؤكداً أنها ليست مجرد تحديثات إدارية روتينية. وأوضح أن العقيدة الجديدة للوكالة تتطلب التخلص تماماً من فكرة التريث بانتظار “بيئة خالية من المخاطر” قبل تبني الأدوات التقنية المستحدثة. وفي ظل المنافسة الجيوسياسية الشديدة مع بكين في حقل الذكاء الاصطناعي، شدد على ضرورة تحرك الوكالة بسرعة أكبر واتباع نهج يتسم بالجرأة لتطوير ترسانتها التقنية.

“سوف نعتمد على مقاربة المخاطر الذكية، مع الإبقاء على الهيمنة والرقابة البشرية الكاملة على شتى القرارات الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي. العمل الاستخباري الرصين سيبقى معتمداً في غاياته على التقييم البشري السديد، ولن نترك زمام القرارات النهائية للتكنولوجيا إطلاقاً.”

أفرد مدير الوكالة مساحة مستفيضة لتشريح الأثر البالغ الذي تفرضه نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة على توازنات القوى الدولية، معتبراً أن نعتها بـ “الأسلحة النووية الرقمية” يعد وصفاً دقيقاً يعكس الواقع ولا ينطوي على أي مبالغة. وبيّن أن الطفرات التكنولوجية الأخيرة باغتت حتى المتخصصين في هذا القطاع، بعدما فاقت إمكانات النماذج الحديثة كافة التوقعات الجاهزة، مشيراً إلى أن قادة قطاع التكنولوجيا يطورون حالياً نماذج متقاربة وفائقة الذكاء، لكن الكلمة الفصل ستظل دوماً في يد العنصر البشري.

وعلى الصعيد الداخلي والتنظيمي، كشف راتكليف عن مصفوفة من الإصلاحات الهيكلية التي جرى تطبيقها على مدار العام المنصرم، وتضمنت الآتي:

ترقية مركز استخبارات الفضاء السيبراني: جرى رفع مكانته ليصبح “مركز مهمة” مستقل بحد ذاته، مما يمنحه نفوذاً أوسع وأسبقية قصوى في نيل الموارد وتوزيعها.

إطلاق مديرية أنظمة المهام: تم تحويل مديرية الابتكار الرقمي السابقة إلى هذا المسمى الجديد، لتتولى بشكل حصري مهام الأمن السيبراني الدفاعي، وإدارة الخدمات المتقدمة للبيانات، وصيانة البنية التحتية الرقمية.

إعادة توجيه العمليات الهجومية: نُقلت صلاحيات ومسؤوليات الحروب السيبرانية الهجومية إلى جانب تتبع مصادر المعلومات الاستخباراتية المفتوحة إلى المركز السيبراني المستحدث.

ويبرز هذا التحول التنظيمي رغبة جادة في شحذ القدرات الهجومية الرقمية للولايات المتحدة، وهو ما يتماشى مع الضغوطات والطلبات المستمرة التي وجهها أعضاء الكونغرس الأميركي من المعسكرين الجمهوري والديمقراطي لزيادة العمليات الهجومية ضد القوى المنافسة والخصوم.

 ثورة البيانات وتسريع عقود الشراء

بالتوازي مع التغيير الهيكلي، دشنت الوكالة ما يشبه “سباقاً حثيثاً للبيانات” يهدف جوهرياً إلى تفعيل آليات رصد واكتشاف المعلومات الاستخباراتية واستثمارها على الوجه الأمثل. ويتضمن ذلك توحيد معايير تصنيف البيانات عبر شتى الإدارات، وتعزيز مرونة الوكالة في دمج قواعد البيانات المعقدة، فضلاً عن إخضاع الضباط لبرامج تدريبية مكثفة للتعامل مع القدرات الرقمية الناشئة، مما يكرس جودة البيانات وتكاملها كعنصر مصيري في قلب العمل الاستخباري المعاصر.

وفي سياق متصل، طالت الإصلاحات منظومة المشتريات والتعاقدات التجارية؛ حيث نجحت الـCIA في تقليص الحقبة الزمنية اللازمة لاعتماد واقتناء التقنيات الجديدة من ثلاث سنوات تقريباً إلى ستة أشهر فقط، وهو ما تمخض عنه إبرام مئات الصفقات والاتفاقيات الجديدة لتقليص الهوة الزمنية التي تفصل الوكالة عن الشركات التقنية الخاصة سريعة النمو. ولتسهيل هذا المسار، أسست الوكالة مكتباً خاصاً بالشراكات المؤسسية ليكون بمثابة واجهة تواصل موحدة للشركات الخاصة، بهدف تذليل العقبات البيروقراطية واختصار الإجراءات.

وتزامنت هذه الخطوات الطموحة مع تدفق استثمارات ضخمة من شركة “أمازون ويب سيرفيسز” (AWS)، شملت بناء بيئات سحابية سرية للغاية ومخصصة لمقاولي قطاع الدفاع، إلى جانب ضخ استثمار بقيمة مليار دولار أميركي لمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية ومجتمع الاستخبارات الأميركي الأشمل على ترحيل أنظمتهم العتيقة والإرثية إلى بيئة سحابية حديثة وفائقة السرعة.

 شواهد ميدانية ومستقبل العمل الاستخباري

ولم يفت راتكليف تقديم نماذج عملية تبرهن على الكفاءة العملياتية لهذه التقنيات في الميدان؛ حيث كشف عن نجاح الوكالة في تحديد الموقع الجغرافي الدقيق للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو داخل منشأة عسكرية مغلقة، مما أتاح لقوات “دلتا” الخاصة مداهمة المكان والقبض عليه. كما أشار إلى دور التكنولوجيا في تعقب وتحديد موقع طيار أميركي سقطت مقاتلته من طراز F-15E في العمق الإيراني خلال شهر مارس (آذار) الماضي.

وفي معرض حديثه عن ارتباط التقنية بالحروب المعاصرة، لفت الانتباه إلى أن متوسط النفاذ الزمني لبقاء الجندي الروسي على جبهات القتال الأمامية في أوكرانيا لا يتجاوز 35 دقيقة فحسب، وعزا ذلك إلى الفاعلية التدميرية الهائلة للطائرات المسيرة زهيدة التكلفة، مستخدماً في وصفها عبارة “آلات قتل فائقة الفاعلية”.

وأردف مدير الـCIA مؤكداً أن الجيل القادم من ضباط الاستخبارات سيكون مطالباً بإتقان التعامل مع الأسطر البرمجية والرموز الرقمية بالقدر ذاته من الاحترافية والارتياح الذي يبدونه عند التفاعل مع العملاء والمصادر البشرية التقليدية، مشدداً على أن الكفاءة الرقمية باتت ركيزة لا غنى عنها تدعم العمل الاستخباري البشري الكلاسيكي (HUMINT) ولا تلغيه أو تحل محله.

واختتم راتكليف خطابه بالتشديد على أن ما تعيشه الوكالة اليوم يتعدى مجرد إعادة رسم الخطوط الهيكلية أو تبديل مسميات المكاتب والفروع، بل هو تحول جذري يعيد صياغة فلسفة العقيدة الأمنية والاستخباراتية بأكملها، مؤكداً أن عجلات التطوير والتحديث ستظل تدور بلا توقف، وسيجري تكييفها باستمرار لمجابهة الاستثمارات التكنولوجية المتنامية للدول المنافسة وقدراتها التقنية الآخذة في التطور. وتوضح هذه المعطيات إعادة توجيه واضحة لبوصلة الوكالة نحو تبني استراتيجيات سيبرانية هجومية وتعميق الأواصر مع أقطاب التكنولوجيا، في زمن تحولت فيه الحدود الرقمية والافتراضية إلى مسارح صراع ومواجهة لا تقل خطورة عن الثغور الجغرافية التقليدية.

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى