يفضل البعض قضاء عطلاتهم في منطقة ساحلية على قضاء إجازات في المدينة، ويجدون الأعذار لزيارة الساحل كلما سنحت لهم الفرصة، حيث يشعر هؤلاء بالهدوء بمجرد سماعهم صوت الأمواج المتلاطمة أو رؤيتهم للمحيط في الأفق
ووفقاً لما جاء في تقرير نشرته صحيفة Economic Times، يشير علم النفس إلى أن هناك ما هو أعمق من مجرد الهوس بالشواطئ، فبالنسبة للكثيرين، يرجع حب الشاطئ إلى أشعة الشمس أو السباحة أو المناظر الخلابة، وتشير الأبحاث إلى أن البيئات الساحلية يمكن أن توفر ما يحتاجه الدماغ الحديث بشدة، وهي فرصة للراحة من الضغوط الذهنية المستمرة، ويمكن أن تفسر نظرية استعادة الانتباه هذا الانجذاب إلى الشاطئ.
حيث تأتي أحد أكثر التفسيرات تأثيراً من هذه النظرية التي وضعها عالما النفس البيئيان راشيل وستيفن كابلان، وتشير النظرية إلى أن الحياة اليومية تتطلب كميات كبيرة مما يسميه الباحثون الانتباه الموجه، إنه الجهد الذهني الذي يبذله الأشخاص للتركيز أثناء الاجتماعات والرد على رسائل البريد الإلكتروني وتجاهل المشتتات واتخاذ القرارات والتنقل في الطرقات وإدارة المسؤوليات، ومع مرور الوقت، يُصاب التركيز المُوجَّه بالإرهاق، ويبدو أن البيئات الطبيعية تؤثر على الدماغ بشكل مختلف، ورجح كابلان أن الطبيعة تُهيئ حالة تُعرف باسم “الافتتان اللطيف
فبدلاً من أن يتطلب الأمر تركيزاً شديداً تمنح بيئات مثل الشواطئ جذباً للانتباه بلطف دون بذل جهد، ونتيجة لذلك يحصل الدماغ على فرصة للتعافي من الإرهاق الذهني، وبالنسبة لمرتادي الشواطئ الدائمين، ربما يُفسر هذا سبب كون قضاء بضع ساعات على شاطئ البحر أكثر راحةً من قضاء يوم كامل في الداخل، ويستخدم علماء النفس وباحثو الصحة العامة مصطلح “المساحات الزرقاء” لوصف البيئات التي تحتوي على مياه مرئية، بما يشمل المحيطات والبحيرات والأنهار والسواحل.
وعلى مدى العقد الماضي، ربطت مجموعة متزايدة من الأبحاث بين التعرض للمساحات الزرقاء وتحسين الصحة النفسية، وأظهرت دراسة أجريت عام 2020 بعنوان “المساحات الزرقاء، الصحة، والرفاهية: نظرة عامة سردية وتوليف للفوائد المحتملة”، بقيادة عالم النفس البيئي ماثيو وايت، أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً أطول بالقرب من البيئات الساحلية غالباً ما يُبلغون عن صحة نفسية أفضل ورضا أكبر عن الحياة، ورجح الباحثون أن البيئات المائية يمكن أن تُحسن الصحة النفسية عبر عدة مسارات مترابطة وهي زيادة النشاط البدني مثل المشي أو السباحة أو الحركة أكثر بالقرب من الماء، والراحة النفسية المتمثلة في انخفاض الإرهاق الذهني والتوتر، والتفاعل الاجتماعي كون الواجهات البحرية تُشجع غالباً على التجمع والترفيه، والتأثيرات البيئية مثل جودة الهواء والرضا الجمالي
ومن المثير للاهتمام أيضاً أن نتائج الدراسة تُشير إلى أن المساحات الزرقاء تتشابه مع المساحات الخضراء مثل الحدائق والغابات، ولكن ربما يكون للبيئات المائية تأثيرات نفسية فريدة نظراً لخصائصها الحسية وارتباطاتها العاطفية، ويُبلغ الكثيرون عن شعورهم بالهدوء فور وصولهم إلى الشاطئ
ويعتقد علماء النفس أن جزءاً من السبب يمكن أن يكون المزيج الفريد من التجارب الحسية، فإن صوت الأمواج إيقاعي ويمكن التنبؤ به، ويُضفي الأفق شعوراً بالاتساع، وتجذب حركة الماء الانتباه دون أن تُرهقه، وعلى عكس منصات التواصل الاجتماعي وحركة المرور والأخبار والبيئات الحضرية المزدحمة، يُوفر الشاطئ مستوى منخفضاً نسبياً من الجهد الذهني
وببساطة، يُخفف المحيط من عبء التفكير على الدماغ، ويمكن أن يُفسر هذا الانخفاض في الجهد الذهني شعور الأشخاص غالباً بالخفة والهدوء والصفاء الذهني بعد قضاء وقت قرب الماء، وتقول نظرية التعلق بالمكان إن الشواطئ يمكن أن تُصبح جزءاً من الهوية، وبالنسبة للبعض، يتجاوز هذا الارتباط مجرد الاسترخاء
ويدرس علماء النفس مفهوماً يُعرف بالتعلق بالمكان، والذي يُشير إلى الرابطة العاطفية التي يُطورها الأشخاص مع أماكن مُحددة، وترتبط بعض الأماكن بذكريات عائلية وتجارب طفولة وأحداث مهمة في الحياة، أو بمشاعر الانتماء
ومع مرور الوقت، يمكن أن يُصبح الشاطئ أكثر من مجرد وجهة سياحية، بل جزءاً من هوية الشخص، ويمكن أن يُفسر هذا سبب عودة بعض الأفراد إلى نفس الجزء من الساحل عاماً بعد عام، حتى مع وجود خيارات سفر أخرى لا حصر لها
#مرايا الدولية




