لبنان

حين تسقط الأقنعة وينتفض الوهن تنهار القيم

ليبقى لبنان سيّداً حراً مستقلاً ، قبلةً للأحرار.

الكاتب السياسي والباحث الاستراتيجي // د. محمد هزيمة

“مرور الكرام” كثيراً ما نسمع تلك العبارة التي تختزل عمقاً كبيراً في الوجدان يصعب تفسيره، ترسمه حروفٌ يسهل فهمها كهامةٍ شاهقةٍ لمن عبروا ولا زالوا حضورهم رغم الغياب، وشتّان ما بين الكرام واللئام كما بين العِظام واللِّثام. فالتاريخ لا يرحم، والمواقف وحدها تُخرج الرجال إلى ميادين الحياة؛ فالرجولة كلمةُ حقّ، وثباتُ الموقف سلاحٌ أمضى: تزول الجبال ولا يزول. وما قيمة الأرض إلا بمن فيها، يذود عنها ويحميها بالروح والنفس ولا يبخل بالدم. وهل أعظم من عطاء الشهادة وأسمى من مواجهة عدوٍّ لم يوفّر حجراً ولا بشراً ؟ فكانت الشهادة العينَ التي كسرت مِخرز حربٍ صهيونية، ليحموا وطناً وشعباً وتراباً مقدّساً تعمّد بدماء الشهداء، وداسته أقدام أمهاتٍ ولدن أبطالاً. فما قيمة الأرض إلا بمن عليها، كيف إذا كانوا أشرف الناس وأحبّوا الحياة بكرامة، وتعلّموا ثقافة “هيهات منّا الذلّة”، وتخرّجوا بمرتبة: “لا أُعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل ولا أُقِرّ إقرارَ العبيد”.

وما أكثر العبيد في زمن التُّجّار والفُجّار والانحدار، والسعي للادّخار على حساب القيم والمبادئ التي باعها البعض في سوق التبعية والتماهي مع ثقافة الخنوع وأصوات الرذيلة، لحظة تحوّلت المقاومة تهمة، وحماية الوجود جريمة تُشكّل خطراً على استقرار وطنٍ تُنتهك سيادته كلّ لحظة؛ أرضه محتلة، وسماؤه مستباحة، والسلطة فيه تُنفّذ رغبة الأميركي وتُصدرها قرارات أسقطت الميثاقية وخالفت الدستور. وطنٌ فيه رئيس الدبلوماسية يمارس ميليشياويّته الحزبية المنبعثة من يمينٍ تالفٍ متطرّفٍ بعدوانيّته، ركب الدبّابة “الإسرائيلية” في الاجتياح، وانهار على أعتاب عاصمة المقاومة بيروت وضاحيتها الأبيّة التي أهدت العالم العربي أوّل نصرٍ على العدوّ “الإسرائيلي”، واستقراراً عاشه لبنان عقدين من الزمن، قبل أن يُعيد الأميركي خلط أوراق السياسة للمنطقة كلّها، ويُخطّط لجرّ لبنان إلى حظيرة الاستسلام والتطبيع مع الكيان الغاصب، باعتبار “إسرائيل” قلب الشرق الأوسط بالمعايير الأميركية، بحدودٍ تتجاوز الجغرافيا اللبنانية وتقضي على ما تبقّى من شكل وطن.

وأمام هذا الواقع يصبح الصمت استسلاماً، والمقاومة واجباً لا خياراً على كلّ من يتمسّك بالوطن سيّداً حرّاً مستقلاً ؛ فالأوطان يحميها رجالها لا قرارات الأميركي ولا الاستسلام للكيان الصهيوني الذي لا يزال مستمراً بحربه العدوانية على لبنان الذي خرج من ثوب التبعية و”قوّة لبنان بضعفه” إلى “قوّة لبنان بمقاومته” التي أعزّته بما قدّمت.

فمن يخاف على حجر بيته والوطن بعين عاصفة حرب، ويرى حماية الوطن بالفنون والموسيقى والشعر والفلكلور، عليه أوّلاً أن يبحث عن أرضٍ لا وطن تُستباحها “إسرائيل” في كلّ لحظة، وألّا يتأثّر بأصوات المتآمرين ليتناغم معهم. وحقٌّ عليه أن يُقدّر موسيقى تعزفها أنينُ الجرحى وزغردةُ أمّ شهيد، وعليه أن يقرأ شعراً كتبه المجاهدون في الميدان ملاحم بطولة، ليشيّدوا للوطن حصن قوّة يكتبونه وطناً عزيزاً بصفحات مجدٍ في كتاب تاريخ أمّة وشعب عاش المقاومة ثقافة. كان الأجدر أن يعرف كيف رقص المجاهدون على أشلاء جثث العدو، وكيف أدّوا حلقات الدبكة اشتباكاتٍ على الحدود بمواجهة جحافل جيوش غازية، ليبقى لبنان سيّداً حراً مستقلاً ، قبلةً للأحرار.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى