شهدت العاصمة الأميركية واشنطن، اليوم الأربعاء
انطلاق أعمال الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وذلك وفقاً لما نقلته مراسلة العربية/الحدث. وتأتي هذه الاجتماعات المتجددة في سياق مساعٍ دولية حثيثة لدفع مسار التهدئة بين الطرفين، ومحاولة صياغة تفاهمات سياسية وأمنية طويلة الأجل، على الرغم من بقاء القضايا الخلافية الجوهرية قائمة، ولا سيما ما يتعلق بملف الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل السلاح التابع لحزب الله.
وطبقاً لما أوردته مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن الجلسة الحالية تشهد مشاركة واسعة من مسؤولين سياسيين وعسكريين يمثلون كلا الطرفين، تحت رعاية وإشراف مباشرين من الولايات المتحدة الأميركية. وتبذل الإدارة الأميركية جهوداً مكثفة من أجل التوصل إلى ترتيبات تضمن إرساء استقرار دائم على طول الحدود الجنوبية للبنان، خاصة بعد انقضاء عدة أشهر من المواجهات الميدانية المستمرة التي اندلعت في الأراضي اللبنانية منذ شهر مارس الماضي.
وفي سياق متصل يعكس طبيعة الأجواء السائدة في أروقة المحادثات، صرّح مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة بأن مسار التفاوض الحالي مع الجانب اللبناني يتسم بأنه “مثمر جداً”، معتبراً أن استمرار قنوات الاتصال برعاية أميركية من شأنه أن يمهد الطريق لإحداث خرق إيجابي وتقدم ملموس في عدد من الملفات العالقة والمستعصية بين البلدين.
كواليس المناقشات الميدانية: دور الجيش اللبناني والضمانات الأمنية
أفادت معلومات حصرية ومستقاة من مصدر أميركي مسؤول لشبكتي “العربية” و”الحدث”، بأن اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمفاوضات يشهد تدفقاً لأجواء أكثر إيجابية مقارنة بالجلسات التي عقدت بالأمس. وأشار المصدر إلى رصد تقدم نسبي في المباحثات الدائرة، وتحديداً في الشق المتعلق بوضع آليات التنفيذ الميدانية لأي اتفاقات مستقبليّة محتملة.
ووفقاً للمصدر ذاته، فإن الوفد المفاوض اللبناني ما زال متمسكاً بثبات بمطلبه الأساسي المتمثل في الوقف الشامل والكامل لإطلاق النار، مع وجوب انسحاب القوات الإسرائيلية من كافة الأراضي التي تواصل احتلالها في مناطق جنوب لبنان، بالإضافة إلى المطالبة بوضع سقف زمني محدد وواضح لترجمة هذا الانسحاب على أرض الواقع. وفي المقابل، يتركز ثقل المباحثات الراهنة على صياغة آلية تنفيذية وإيجاد صيغة عملية لتطبيق التفاهمات المنتظرة، حيث انتقل النقاش الفعلي من الإطار العام والمبادئ الكلية إلى التفاصيل الدقيقة المرتبطة بآليات وقف إطلاق النار، وخطط الانسحاب، ونظم المراقبة الميدانية.
وعلى صعيد الدعم الداخلي والمؤسساتي، أكد المصدر الأميركي أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تحظى بغطاء ودعم رسمي كاملين لتولي تنفيذ أي ترتيبات أمنية جديدة يتم التوافق عليها، لافتاً إلى أن مقر الرئاسة البرلمانية في “عين التينة” يؤيد ويبارك الخطوات التي تعتزم القيادة العسكرية اتخاذها في هذا الصدد. وتنظر واشنطن إلى قائد الجيش اللبناني والمؤسسة العسكرية بوصفهما شريكاً محورياً ورئيسياً في تفعيل التفاهمات الأمنية، وتصر على محورية دور الجيش كقوة أساسية وحيدة لضبط الأمن والاستقرار في المناطق التي تخرج منها القوات الإسرائيلية. وعلى الرغم من تواصل التباين في وجهات النظر بشأن الجدولة الزمنية الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي، إلا أن المصدر الأميركي شدد على أن المناخ العام للمفاوضات يتجه نحو التفاؤل، في ظل وجود مؤشرات واضحة على تطور النقاشات الدائرة حول خطط الانتشار والتنفيذ مقارنة بما كانت عليه في اليوم الأول.
السقف السياسي للمفاوضات: تداخلات إقليمية وشروط متبادلة
كان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد جدد تأكيده في وقت سابق على موقف بلاده الحاسم، مشدداً على أن لبنان لن يرتضي بأي صيغة لا تضمن استعادة سيادته الوطنية الكاملة على أراضيه، والإنهاء المطلق لأي شكل من أشكال الوجود العسكري الأجنبي. وفي المقلب الآخر، جاءت المواقف والتصريحات الصادرة عن الجانب الإسرائيلي لتعكس تمسكاً برؤية أكثر تشدداً وسقفاً أعلى؛ إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريحات له اليوم، أن المهمة العسكرية في الساحة اللبنانية لم تبلغ نهايتها بعد. وأوضح نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي مستمر في تدشين وتثبيت ما أسماه “الحزام الأمني” في القطاع الجنوبي، بغية تأمين إسرائيل ومنع حزب الله من تشكيل أي تهديد لها، لافتاً إلى وجود ملفات وأمور لا تزال تتطلب إنجازاً ميدانياً، وهي تصريحات تترجم بوضوح الاستراتيجية الإسرائيلية الرابطة بين أي تسوية سياسية وحصولها على ضمانات أمنية موسعة المدى.
وفي ذات السياق الاستراتيجي، تجدد إسرائيل تأكيدها على أن المخرج النهائي والهدف الأساسي لهذه المفاوضات يجب أن يفضي إلى نزع سلاح حزب الله بشكل تام، وهو الطرح الذي يقابل برفض قاطع ومطلق من جانب الحزب. وكان حزب الله قد وجه دعوة علنية للحكومة اللبنانية يطالبها فيها بالانسحاب الفوري من هذه المحادثات المباشرة، معتبراً أن الرهان الحقيقي والناجع يجب أن ينصب على مسار التفاوض الإيراني الأميركي المشترك للضغط على إسرائيل وإجبارها على الانسحاب.
وعلى الرغم من الإخفاق الذي لازم الجولات الأربع السابقة في صياغة اتفاق نهائي ودائم، فإن حالة الهدوء النسبي والوقوف الحذر التي خيمت على الجبهة الجنوبية في الأيام القليلة الماضية ساهمت في إنعاش الآمال بإمكانية صياغة تقدم، ولو كان محدوداً، في القضايا الخلافية المعقدة. وتتزامن عودة الزخم إلى طاولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مع تقاطعات حادة وتداخل مستمر بين الملف اللبناني الداخلي ومسار التفاوض الأوسع نطاقاً الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي دفع عدداً من المسؤولين اللبنانيين إلى إبداء مخاوفهم وتحذيراتهم من أن رهن الملف اللبناني بالتفاهمات والإملاءات الإقليمية قد يؤدي بالضرورة إلى تقليص قدرة بيروت على فرض شروطها والتمسك بأولوياتها التفاوضية الخاصة.
#مرايا الدولية




